هكذا تفادت سوريا فخاخ إسرائيل الصعبة في واشنطن

تشهد العلاقات السورية الأمريكية مرحلة جديدة مختلفة كليا عن تلك التي سادت بين الدولتين خلال العقود الماضية، وكان عنوانها القطيعة والعزل والعقوبات الاقتصادية. فقد أُلغيت حزمة العقوبات الأمريكية الواسعة التي كانت مفروضة على سوريا، وأزيل اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي دخلتها منذ عام 1974، الأمر الذي يمهد لتعافيها واندماجها في النظام الاقتصادي العالمي.
كانت النقطة الأبرز في مسار رفع العقوبات الأمريكية وإزالة قيودها الاقتصادية والمالية عن سوريا، هي إلغاء “قانون قيصر” في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، حين وقع عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026.
وتوّج بذلك مسار إلغاء برنامج العقوبات الشامل على سوريا، الذي بدأ في 1 يوليو/تموز 2025، مع الإبقاء على عقوبات تستهدف بشار الأسد والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، وتجارة المخدرات، والإرهاب وبعض الأنشطة المزعزعة للاستقرار.
ماذا تريد واشنطن؟
السؤال الذي يبرز بعد رفع العقوبات، هو: ما الذي تريده واشنطن من دمشق؟ وبالمقابل، ماذا تريد دمشق من واشنطن؟
بداية، لا تفضي إزالة العقوبات الأمريكية على سوريا إلى قيام تحالف بين البلدين، لكن هذا لا يمنع بناء علاقات جديدة، تنهض على تقاطع المصالح والتفاهم والتنسيق في الملفات السياسية والأمنية التي تهم الدولتين، لذلك بدأت واشنطن باتباع نهج يقوم على الدبلوماسية البراغماتية المشروطة في علاقاتها مع دمشق، يتضمن ظهور شراكة وظيفية بينهما.
كانت أهداف الإدارات الأمريكية من سياسة فرض العقوبات والضغط والعزل هي تغيير سلوك النظام السوري البائد في المنطقة، لكن بعد سقوطه حددت إدارة ترمب أهدافها حيال الإدارة الجديدة في أربع نقاط رئيسية:
- دعم سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها.
- عدم توفير ملاذ آمن للمنظمات الإرهابية.
- حماية الأقليات الدينية والإثنية.
- ألا تهدد جيرانها، وأن تعيش بسلام معهم.
تعكس هذه الأهداف تحولا كبيرا في السياسة الأمريكية حيال سوريا، إذ باتت تتعامل معها كدولة يمكن أن يخدم استقرارها المصالح الأمريكية في المنطقة، وبالتالي لم تعد بلدا معاديا يتوجب احتواؤه والضغط عليه.
يجد دعم الإدارة الأمريكية استقرار سوريا حيثياته في أن عدم الاستقرار سيؤدي إلى:
أولا: فراغ في القوة يمكن أن يفضي إلى عودة ظهور تنظيم الدولة “داعش”.
ثانيا: الإسهام في إعادة إنتاج الفوضى وتدفق موجات الهجرة من جديد.
ثالثا: توفير المجال لعودة النفوذ الإيراني، واستعادة روسيا نفوذها العسكري والسياسي.
في الجانب الاقتصادي، يظهر التغير في الموقف الأمريكي حيال سوريا بشكل أوضح، ويجد تجسيده في فتح قنوات التعامل مع شبكات التحويل المالية الدولية (مثل نظام سويفت)، كونه يشكل خطوة مهمة لتسهيل الاستيراد والتصدير، واستعادة الثقة في المعاملات المالية السورية إقليميا ودوليا.
لذلك، سارعت شركات أمريكية مثل “ماستر كارد” و”فيزا” و”شيفرون” إلى وضع خطواتها الأولى في السوق السورية. ثم زار دمشق وفد اقتصادي أمريكي يمثل 50 شركة كبرى، لبحث فرص الاستثمار، وإعادة الإعمار، وعقد شراكات دائمة مع القطاعين العام والخاص.
لا يفضي رفع العقوبات الأمريكية إلى السماح للشركات الأمريكية بالعمل في سوريا فقط، بل يلغي المخاطر القانونية التي كانت تمنع شركات خليجية وتركية وأوروبية وسواها من الدخول إلى السوق السورية. لكن إعادة اندماج سوريا الكامل في النظام الاقتصادي العالمي يتطلب توفير بيئة قانونية ومالية في سوريا تحسّن الامتثال المصرفي، وتؤمن البنية المالية المناسبة.
أبرز الملفات:
على الرغم من التحول السياسي الحاصل، يبقى ملف مكافحة الإرهاب أحد أساسيات العلاقة بين واشنطن ودمشق، بوصفه معيارا لاختبار قدرة الدولة السورية على ضبط الأمن على أراضيها، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة.
لقد عكس انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب في عام 2025، رغبتها في أن يُنظر إليها بوصفها شريكا في تثبيت الاستقرار، لكن واشنطن تريد نتائج ملموسة لتقليص المخاطر الأمنية التي يمكن أن تنطلق من الأراضي السورية أو تعبرها.
تشكلت معادلة أمنية جديدة، تنهض على أنه كلما أضحت أجهزة الدولة السورية قادرة على القيام بمهمة مكافحة التنظيمات المتطرفة، وخاصة تنظيم الدولة، قلّت الحاجة الأمريكية إلى الاعتماد على تشكيلات مسلحة مستقلة عن الدولة السورية.
وفق هذا المنطق حمل عام 2025 تطورات غيّرت الوضع في شمال شرقي سوريا بشكل كبير، تجسدت في حلّ قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، التي فقدت الدعم الأمريكي والدولى، وبدأ إدماج عناصرها ومناطقها ضمن هياكل ومؤسسات الدولة السورية. وبالمقابل صدر المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي منح الأكراد السوريين حقوقهم الثقافية واللغوية، وجرى تعيين قائدها السابق مظلوم عبدي مستشارا رئاسيا في أغسطس/آب 2026، وعينت مسؤولة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” التي جرى حلها إلهام أحمد عضوا في مجلس الشعب.
يبدو أن واشنطن تركز على كيفية استيعاب الدولة السورية الجديدة جميع مكوناتها بشكل لا يعيد إنتاج المركزية الأمنية لنظام الأسد، ما يعني تحولا في النظرة الأمريكية إلى سوريا ضمن مسعى أوسع في المنطقة، يهدف إلى إنهاء وجود التنظيمات المسلحة الخارجة عن سلطة الدول.
أما ملف العلاقة مع إسرائيل، فإنه يمثل الاختبار الأصعب للعلاقة بين واشنطن ودمشق في هذه المرحلة، خاصة أن واشنطن رهنت نفسها بمعادلة تقوم على رغبتها في تحقيق استقرار سوريا، لكنها في الوقت ذاته التزمت بأمن إسرائيل منذ أمد بعيد، بوصفه أولوية بالنسبة إليها.
واضح مدى التناقض والتعارض في هذه المعادلة، خاصة مع استمرار الضربات والاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ورفض ساسة اليمين المتطرف في إسرائيل الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.
لذلك تحتاج سوريا إلى أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطا على إسرائيل لثنيها عن سياساتها العدوانية حيالها، والتوصل إلى اتفاق أمني يساعد على إعادة تثبيت ترتيبات مشابهة لترتيبات فض الاشتباك لعام 1974، من دون أن يُختزل أمن الجنوب السوري في المطالب الإسرائيلية وحدها. وفي المقابل، سترغب واشنطن في ضمانات تمنع تحوّل الحدود إلى ساحة تهديد لإسرائيل.
ليس أمام الإدارة الأمريكية في هذا الملف سوى الاستمرار في الوساطة بين دمشق وتل أبيب، التي أسفرت عن عقد أولى جولات التفاوض في أغسطس/آب 2026، ثم عقدت أربع جولات أخرى، لكن التعنت الإسرائيلي أوصلها إلى حالة من الانسداد.
ماذا تريد دمشق؟
لا تريد الإدارة السورية من علاقاتها المتنامية مع الولايات المتحدة مجرد قناة للحصول على الدعم السياسي والاقتصادي، بل تريد تحويلها أيضا إلى وسيلة لكف الشر الإسرائيلي عنها، ولإدارة الصراع مع العدوانية الإسرائيلية الهادفة إلى ضرب استقرارها ووحدة أراضيها.
كما تنظر دمشق إلى رفع العقوبات المفروضة عليها بوصفه إزالة للتهديدات الاقتصادية والقانونية، التي كانت سببا في منع مستثمرين ومصارف من الدخول إلى السوق السورية، وبات باستطاعة الحكومة السورية الانتقال من طلب الاستثناءات إلى طلب التمويل والاستثمار.
لكن الانتقال من هذه المرحلة إلى مرحلة تنفيذ المشاريع يتطلب دولا أو مؤسسات مستعدة لتحويل الأموال، وعقودا واضحة، وتقديم ضمانات للمستثمرين، ووجود مؤسسات قادرة على إدارة الإنفاق العام.
وبالنظر إلى أن كلفة إعادة الإعمار تقدر بنحو 216 مليار دولار، فإن سوريا بحاجة إلى انفتاح مالي طويل الأمد، وليس إلى صفقات سياسية عابرة، بغية تحقيق أهداف إستراتيجية تهدف إلى إنقاذ الدولة واقتصادها.
في الجانب الدبلوماسي، تريد دمشق إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع واشنطن، باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية في مسار تنامي العلاقات بين واشنطن ودمشق، ويحمل دلالات إستراتيجية وعملية بالغة الأهمية. قد تنظر واشنطن إلى الوضع الأمني في سوريا، لذلك بقي تحذير السفر الأمريكي إلى سوريا عند المستوى الرابع.
تشكل إعادة فتح السفارة الأمريكية مطلبا سوريا، ويركز المسؤولون السوريون على معناه، كونه ينقل التعامل الأمريكي بشكل مباشر مع الدولة السورية.
لا شك أن سوريا الجديدة تحتاج إلى الولايات المتحدة، لكنها تحتاج كذلك إلى تركيا والسعودية وقطر وباقي دول الخليج والدول العربية الأخرى وأوروبا.
كما تحتاج إلى علاقات محسوبة مع روسيا والصين. ومن مصلحتها، بحسب منطق الدولة، ألا تستبدل الاصطفافات والتبعية السابقة بأخرى جديدة، بمعنى ألا تنتقل من محور إلى آخر.
يبقى أنه على الرغم من التغيرات المتلاحقة التي تجلت في إلغاء العقوبات الأمريكية على سوريا، وشطب جميع القيود المالية والسياسية الكبرى، فإن مسار العلاقات بين دمشق وواشنطن لا يتحرك بسلاسة مطلقة. إذ إن هناك جملة من الضوابط والاشتراطات الإستراتيجية والأمنية التي ستظل تحكم إيقاع هذه العلاقات وتضع حدا لمداها وسرعتها.
الجزيرة



