الاستثمار في سورية.. بين وعود المليارات واختبار الواقع

تتجه أنظار المستثمرين إلى سورية مع تعهدات بضخ مليارات الدولارات في إعادة بناء الموانئ ومحطات الكهرباء وشبكات النقل وغيرها من مشاريع البنية التحتية، لكن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذه الوعود والاتفاقيات الأولية إلى مشاريع فعلية على الأرض.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه سورية فاتورة إعادة إعمار ضخمة يقدرها البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار.
وأدت خطوات إنهاء العقوبات الأميركية والأوروبية على سوريا عام 2025، إلى جانب الإجراءات الأميركية المتعلقة بشطب البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى تسهيل دخول الشركات الأجنبية إلى السوق السورية مقارنة بالسنوات السابقة.
لكن حجم الاستثمارات وحده لن يكون كافيا، إذ تحتاج سورية إلى بيئة اقتصادية وقانونية ومصرفية واضحة تضمن للمستثمرين حقوقهم، وتمنع في الوقت نفسه عودة المحسوبية التي طبعت الاقتصاد خلال العقود الماضية.
رهانات استثمارية مبكرة
جاءت أبرز التعهدات الاستثمارية حتى الآن من دول عربية وإقليمية. ففي أغسطس/آب 2025، وقعت دمشق 12 اتفاقية بقيمة إجمالية بلغت 14 مليار دولار، تضمنت مشروعا للمطار مع قطر ومشروعا لمترو الأنفاق مع الإمارات.
وجاء ذلك بعد حزمة استثمارات سعودية بقيمة 6.4 مليار دولار.
ولا تعني هذه الأرقام أن الأموال ضُخت فعليا بالكامل، إذ تتعلق باتفاقيات وتعهدات استثمارية، لكنها تعكس القطاعات التي تحظى باهتمام المستثمرين الأوائل، وفي مقدمتها الطاقة والنقل والاتصالات.
أما الشركات الغربية، فتتعامل مع السوق السورية بصورة أكثر انتقائية. فقد وافقت شركة الشحن الفرنسية «سي إم إيه سي جي إم» على استثمار 230 مليون يورو بموجب امتياز مجدد لمدة 30 عاما لإدارة وتوسعة ميناء اللاذقية، قبل أن يتوسع دورها ليشمل عمليات الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي وميناءين جافين.
وفي قطاع الطاقة، وقعت مجموعة من الشركات مذكرة تفاهم لإجراء مراجعة فنية لقطاع بحري قبالة سواحل اللاذقية، كما توصلت شركتا «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» إلى اتفاق منفصل بهدف إعادة إحياء إنتاج الغاز السوري.
ولا تزال هذه المشاريع في مراحلها الأولى، لكن الاتجاه العام يشير إلى تركيز المستثمرين الغربيين الأوائل على الطاقة والخدمات اللوجستية، في ظل استمرار عدم اليقين بشأن مسار التعافي الاقتصادي الشامل.
لماذا تبدو سورية جذابة للمستثمرين الآن؟
المفارقة أن العوامل التي تجعل الاستثمار في سورية صعبا هي نفسها التي قد تجعل السوق جذابة لبعض المستثمرين القادرين على تحمل المخاطر.
وقال سنان حتاحت، الزميل البارز في المجلس الأطلسي ونائب رئيس الاستثمار والأثر الاجتماعي في «المنتدى السوري»، إن سنوات العزلة تركت رؤوس أموال كبيرة في دول الخليج وبين أفراد الجالية السورية من دون قنوات واضحة لدخول السوق السورية.
ومع تراجع القيود، يسعى بعض المستثمرين إلى تثبيت حضورهم في السوق مبكرا، قبل تغير ظروف المنافسة وديناميكياتها.
كما أدى الدمار الواسع الذي خلفته الحرب إلى خلق احتياجات كبيرة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات، بينما تراجعت قيمة كثير من الأصول نتيجة المخاطر المرتبطة بالبلاد.
المستثمرون يريدون قواعد واضحة
لن يكون المستثمر الذي يمول محطة كهرباء أو ميناء أو شبكة نقل مستعدا للعمل في بيئة تفتقر إلى قواعد واضحة. ومن المتوقع أن يطالب المستثمرون بضمانات تتعلق بالأسعار وتقلبات العملة وآليات حل النزاعات واستقرار العقود طويلة الأجل.
وقد يدفع ذلك إلى وضع قواعد تنظيمية جديدة تبدأ في قطاعات محددة ثم تمتد لاحقا إلى الاقتصاد الأوسع.
ويبرز القطاع المصرفي كأحد أهم الاختبارات في هذا المجال. فقد دعا صندوق النقد الدولي إلى تعزيز استقلالية المصرف المركزي، ومراجعة أوضاع البنوك، وإعادة تأهيل النظام المصرفي وأنظمة المدفوعات.
ويعد وجود قطاع مصرفي قادر على توفير التمويل وإجراء المدفوعات بصورة موثوقة شرطا أساسيا لتنفيذ مشاريع البنية التحتية التي تحتاج عادة إلى تمويل طويل الأجل.
سوق ما زالت انتقائية
رغم تزايد الاهتمام، لا تزال سورية سوقا ذات مخاطر مرتفعة، ما يجعلها أكثر ملاءمة حاليا لنوع محدد من المستثمرين.
ويأتي الوضع الأمني في مقدمة هذه المخاطر، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والحماية واحتمالات تأخر تنفيذ المشاريع.
وتبرز أيضا مشكلة الملكية العقارية، بعدما أدى الدمار والنزوح إلى تعقيد أوضاع الأراضي والعقارات في مناطق عدة. وحذر البنك الدولي من أن فقدان الوثائق والسجلات قد يجعل إثبات الملكية أكثر صعوبة، خصوصا في المناطق التي شهدت نزوحا واسعا.
وهذا يزيد المخاطر أمام المشاريع التي تحتاج إلى مساحات كبيرة من الأراضي، بسبب احتمال ظهور نزاعات مع السكان العائدين أو ملاك آخرين.
العقوبات والقطاع المصرفي
حتى الحصول على الموافقات القانونية للاستثمار لا يعني بالضرورة سهولة تحويل الأموال أو إجراء المعاملات المالية.
فالنظام المصرفي السوري لا يزال بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة، وفي الوقت الذي أنهت فيه واشنطن برنامج العقوبات الشامل، لا تزال هناك عقوبات أميركية تستهدف شخصيات مرتبطة بنظام الأسد وأفرادا وكيانات متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان أو أنشطة غير قانونية أو صلات بجماعات إرهابية.
كما أن مغادرة عدد من رجال الأعمال الذين شكلوا جزءا من النخبة الاقتصادية خلال عهد الأسد تترك وراءها شركات تأسست من خلال شراكات معقدة وغير شفافة، ما يجعل التحقق من ملكية الشركات والأصول والسيطرة الفعلية عليها مسألة أساسية أمام المستثمرين.
ما الذي يحدد نجاح الاستثمارات؟
لن يكون انتقال المشاريع من مرحلة الاتفاقيات إلى التنفيذ هو المعيار الوحيد لنجاح التجربة الاستثمارية الجديدة.
فالاختبار الأهم يتمثل في قدرة هذه الاستثمارات على المساهمة في بناء بيئة اقتصادية أوسع، تشمل بنوكا قادرة على تمويل الشركات الصغيرة، وقواعد واضحة تطبق على الجميع، وسوق لا تعتمد على العلاقات السياسية.
وبذلك، لا تقتصر حاجة سورية على جذب عدد محدود من الشركات الكبيرة، بل تتمثل في تحويل الاستثمارات الجديدة إلى فرصة لبناء مؤسسات وقواعد اقتصادية تجعل السوق أكثر قدرة على استقطاب الشركات والمستثمرين على نطاق أوسع.
الحرة



