قيود السحب تربك المودعين.. أزمة سيولة تعيد طرح أسئلة حول القطاع المصرفي

أصبحت قيود السحب النقدي في سورية مصدر قلق متزايد للمودعين، في ظل صعوبة الوصول إلى الأموال الموجودة في الحسابات المصرفية، وتعدد الشروط والإجراءات المطلوبة للحصول على مبالغ محدودة.
وتداولت الأوساط المصرفية مؤخراً قصة مودع قال إنه يملك أكثر من خمسة ملايين ليرة جديدة في حسابه لدى مصرف التوفير، لكنه لا يستطيع سحب أكثر من 2000 ليرة أسبوعياً.
وبحسب روايته التي نقلتها شبكة سيريانديز، أُبلغ عند طلب رفع سقف السحب بإمكانية الحصول على 3000 ليرة لمرة واحدة في حال تقديم بيان وفاة لأحد أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية.
وبعيداً عن تفاصيل هذه الواقعة، يرى خبراء اقتصاديون أن محدودية السحوبات تعكس حجم أزمة السيولة التي يواجهها القطاع المصرفي، وتطرح تساؤلات حول قدرة المصارف على أداء دورها في تأمين وصول المودعين إلى أموالهم.
ويقول الخبير الاقتصادي مخلص السيد إن القيود المفروضة على السحب تعكس، بحسب رأيه، تراجعاً في الوظيفة التقليدية للمصارف، التي يفترض أن توفر للعملاء إمكانية الوصول إلى أموالهم ضمن ضوابط مصرفية واضحة.
المركزي يربط الإجراءات بضبط السوق
من جهته، يبرر مصرف سوريا المركزي إجراءات تقييد السيولة بالحاجة إلى ضبط سعر الصرف والحد من التضخم، إلا أن خبراء يرون أن استمرار القيود ينعكس على حركة النقد داخل الأسواق ويحد من قدرة الأفراد والتجار على استخدام أرصدتهم.
ويشير الخبير الاقتصادي تمام ديبو إلى أن محدودية السحب ساهمت، وفق تقديره، في ظهور تعاملات موازية تقوم على بيع الأرصدة المصرفية المجمدة مقابل الحصول على النقد، معتبراً أن ذلك يخلق سوقاً خارج القنوات المصرفية الرسمية.
وتزامنت أزمة السيولة مع عملية استبدال العملة خلال عام 2026، والتي شهدت تأخراً في توفر الفئات الجديدة بحسب ما ورد في المادة، الأمر الذي زاد الضغط على مراكز الاستبدال وأدى إلى طوابير وانتظار للحصول على النقد.
تأثير مباشر على الأسواق
ولا تقتصر تداعيات أزمة السيولة على المصارف، إذ يرى ديبو أن محدودية النقد أثرت في حركة البيع والشراء وأضعفت قدرة عدد من القطاعات على تأمين احتياجاتها اليومية.
وأشار إلى أن القطاع الزراعي تأثر أيضاً، مع صعوبة تأمين المحروقات والأسمدة وأجور العمال، ما قد ينعكس على المواسم والإنتاج في حال استمرار المشكلة.
كما لم تتمكن وسائل الدفع الرقمية، ومنها المحافظ الإلكترونية مثل «شام كاش»، بحسب ديبو، من معالجة مشكلة نقص النقد بصورة كاملة، لأن التحدي الأساسي يتمثل في توفر السيولة نفسها، وليس فقط في وسيلة الوصول إليها.
ويرى عدد من الخبراء أن تحسن سعر الصرف، في حال تحقق، لا يمكن قراءته بمعزل عن بقية المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً الإنتاج وحركة الأسواق والقدرة الشرائية، محذرين من أن انخفاض السيولة المتداولة قد يحد من النشاط الاقتصادي بدلاً من أن يعكس تحسناً حقيقياً في الاقتصاد.
مخاوف من استمرار الركود
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار ارتفاع الأسعار بالتزامن مع ضعف القدرة الشرائية وتراجع النشاط التجاري قد يزيد الضغوط على الاقتصاد السوري.
ويرى هؤلاء أن معالجة أزمة السيولة تتطلب إجراءات تدريجية تعيد تنظيم حركة النقد، وتحد من المضاربات، وتدعم الثقة بالقطاع المصرفي، إلى جانب توفير آليات واضحة تضمن للمودعين الوصول إلى أموالهم ضمن قواعد مصرفية مستقرة وشفافة.
وتبقى قدرة القطاع المصرفي على استعادة دوره مرتبطة، وفق هذه الرؤية، بمعالجة أزمة السيولة بالتوازي مع معالجة الأسباب الأوسع المرتبطة بالأسعار والإنتاج والثقة في السوق.
سيريانديز



