تبريرات رفع أسعار الوقود: سردية الحكومة لا تُقنِع أحداً

لم تكشف التبريرات الحكومية لقرار رفع أسعار المشتقّات النفطية عن عمق الهوّة الفاصلة بين السياسات والإجراءات الحكومية من جهة، وبين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الضاغطة بقوة هذه الأيام على عموم السوريين من جهة أخرى، فحسب، وإنما كذلك عن حجم الخلل الواسع الذي يعتري قاعدة البيانات الحكومية، والتي يجري بناءً عليها اتّخاذ قرارات مصيرية تخصّ مستقبل البلاد. أيضاً، أعادت تلك التبريرات تسليط الضوء على الغموض الذي يحيط بالعديد من العقود التي وقعت بالتراضي، ومن دون إجراء مناقصات أو طلب عروض للحصول على أفضل سعر جدوى، إضافة إلى الأثر السلبي الكبير الناجم عن استبعاد الكوادر والخبرات السابقة لصالح شخصيات محسوبة على الإدارة الجديدة، تعاني ضعفاً شديداً في كفاءتها الإدارية والفنية.
على مدار الأيام القليلة السابقة، حاولت وزارة الطاقة تقديم مبرّرات «موضوعية» لقرارها رفع أسعار المشتقّات النفطية، مركّزةً في هذا السياق على نقطتَين رئيسيتَين: الأولى، تأثيرات ارتفاع أسعار النفط عالمياً على قيمة مستوردات البلاد، والتي قال وزير الطاقة، محمد البشير، إنها تصل حالياً إلى نحو 200 ألف برميل يومياً، مقدِّراً قيمة المشتقّات النفطية والغاز المستورد بعد توقّف مصفاة بانياس بنحو 831 مليون دولار شهرياً، في حين أن متوسّط الإنفاق العام في موازنة الدولة خلال النصف الأول من العام الحالي لم يتجاوز 617 مليون دولار. وأمّا النقطة الثانية، فتتمثّل في محدودية الإنتاج المحلي، الذي قدّره البشير حالياً بنحو 112 ألف برميل يومياً، فيما تقترب حاجة البلاد اليومية من نحو 300 ألف برميل يومياً. اللافت في هذه البيانات والأرقام، وغيرها مما يُساق حالياً، أنها جاءت مناقضة تماماً وبشكل فاضح لبيانات سابقة، سواء تلك التي نشرتها الوزارة في الشهر الفائت، وتمحورت حول أداء القطاع النفطي خلال النصف الأول من عام 2026، أو التي أوردها وزير الطاقة ومدير «السورية للبترول» خلال لقاءات إعلامية متلفزة سابقة جرت العام الحالي. وهو تناقض يبدو «طبيعياً» في ظلّ ما يسود أداء القطاع من غموض وغياب للشفافية، لا يرتبطان فقط بالعقود الموقَّعة مع الشركات الأجنبية ونِسب تنفيذها، وإنما كذلك بعقود التوريد والتصدير، وعمل مؤسّسات الوزارة بمختلف تخصّصاتها، ومراكز القوى الأساسية المؤثّرة فيها، وغيرها.
في هذا الإطار، يعقّب خبير يعمل منذ سنوات عدّة في قطاع النفط السوري على أرقام وزير الطاقة، بطرح علامات استفهام عديدة حولها، ولا سيما ما يتعلّق منها بالإنتاج والاستهلاك وحتى المستوردات. ويكشف الخبير أن البلاد تحتاج، وفقاً لمنحى الاستهلاك قبل سنوات الحرب وخلالها، إلى نحو 200 ألف برميل يومياً من النفط، وهو رقم يمكن تكريره في مصفاتَي حمص وبانياس، حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية لكلّ منهما نحو 125 ألف برميل يومياً. والجدير ذكره هنا، أن المصفاتَين أدّتا عملاً كبيراً خلال فترة الحرب؛ إذ رغم العقوبات الخارجية القاسية وضعف الإمكانات المالية والفنية، تمكّنت «حمص»، في فترة ما، من إنتاج نحو مليونَي ليتر من المازوت يومياً، ونحو مليون ليتر من البنزين، في حين وصل إنتاج «بانياس» إلى نحو 4 ملايين ليتر من المازوت، وما بين 2.5 – 3 ملايين ليتر من البنزين يومياً.
لكن ما زاد طين سردية وزارة الطاقة بلّة، تصريحات مسؤولها الإعلامي، الذي خرج على قناة «الإخبارية» السورية، ليقول إن نحو 80% من النفط السوري المُنتَج حالياً غير صالح للتكرير، باعتباره نفطاً ثقيلاً يحتوي على أملاح، كاشفاً في الوقت نفسه عن وجود نحو مليونَي برميل في الخزانات لم يشترِها أحد. وأثارت هذه التصريحات استغراباً واسعاً، لكونها تتناقض مع مسيرة الإنتاج النفطي السوري، الذي كان يُكرَّر نصفه تقريباً في المصفاتَين المذكورتَين ويُصدَّر نصفه الآخر، ولم تُسجَّل سابقاً أيّ حالات فشل في تصديره. وبحسب ما يشير إليه الخبير، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، فإن الملح يمثّل جزءاً من تكوين النفط المُنتَج في جميع دول العالم، والذي يخضع للمعالجة في مناطق الإنتاج نفسها، قبل نقله إلى المصافي غير المُجهَّزة لفصل الملح عنه، أو قبل تصديره؛ وهذا ما كان يحدث في حقول الحسكة ودير الزور. ومن هنا، يستغرب الخبير كيفية وصول مليونَي برميل نفط غير معالَجة من الأملاح إلى طرطوس، معتبراً ذلك، في حال صحّت تصريحات المسؤول الإعلامي، قضية هدر كبرى تستوجب التحقيق.
وعن صعوبة أو استحالة تكرير النفط الثقيل السوري، يعتبر الخبير أن هذا الكلام ينمّ عن عدم معرفة وخبرة، ولا سيما أن مواصفات ذلك النفط جيّدة، وليست سيئة وفق ما يُروَّج عنها؛ وإلّا، كيف كانت تُكرَّر كمّياته في البلاد وتتحوّل إلى مشتقات نفطية؟والجدير ذكره هنا، أن نحو 60% من الطاقة الإنتاجية لمصفاة حمص مُصمَّمة لتكرير النفط الثقيل، و40% للخفيف، في حين أن 60% من طاقة «بانياس» مُخصَّصة للنفط الخفيف و40% للنفط الثقيل. ولاحقاً، اعترف وزير النفط بأن جزءاً من «الثقيل» يُكرَّر في «حمص» وفقاً لطاقتها الإنتاجية الحالية، وما تبقّى يجري تصديره، لكنه لم يوضح الآلية التي تحصل بموجبها الشركات على حصّتها الإنتاجية؟ وكم تبلغ هذه الحصّة من نحو 112 ألف برميل يومياً؟ وهل تأخذ تلك الشركات نفطاً خاماً وتصدّره؟ أم أنها تبيع حصّتها لوزارة الطاقة بالدولار؟
أين نفط دير الزور؟
إلى جانب مسألة طبيعة النفط المُنتَج وإمكانية تكريره، تثير سردية الوزارة حول الواقع النفطي تساؤلَين مهمَّين: الأول، يتعلّق بكمّيات الإنتاج المحلّي من النفط الخفيف، والتي قدّرها البشير حالياً بنحو 20 ألف برميل يومياً، وتُنتَج، كما قال، من حقول الحسكة والرميلان. لكنّ المعلومة الأكثر شيوعاً لدى السوريين تقول إن معظم الكميات المُنتَجة تاريخياً من حقول محافظة دير الزور هي من النفط الخفيف. فأين هي الكمّيات المُنتَجة حالياً؟ أم أن هذه الحقول لم تُعاود إنتاجها بعد رغم مرور نحو تسعة أشهر على تسلّمها من «قسد»؟ أمّا التساؤل الثاني، فيتعلّق بالحالة الفنّية لمصفاة بانياس، والتي قالت الوزارة إنها بحاجة إلى صيانة لا تحتمل التأجيل، وهو ما يجعل السلطات مضطرّة إلى استيراد المشتقات لسدّ احتياجات السوق المحلية؛ علماً أنه طيلة السنوات السابقة، كانت الفترة الزمنية التي تستغرقها عملية الصيانة تمتدّ بين 15 و30 يوماً، فلماذا تحتاج الآن إلى عدّة أشهر؟
بحسب التصريحات الرسمية، فإن ما تخضع له المصفاة هو بمنزلة «عمرة» كاملة (إيقاف مؤقّت تامّ من أجل الإصلاح)، وليس مجرّد صيانة دورية، وهذا من شأنه رفع طاقتها الإنتاجية من تكرير نحو 80 ألف برميل يومياً إلى 130 ألف برميل، وهي الطاقة الإنتاجية المعروفة لها. إلّا أن بعض المعلومات المتداولة تتحدّث عن أن «العمرة» المذكورة جاءت، في جزء منها، بغية إصلاح ما تعرّضت له المصفاة من أضرار جرّاء عملية استبدال الكفاءات والخبرات بكوادر جديدة غير مؤهّلة، من بينها حدوث اختلاط للمشتقّات النفطية بعضها مع بعض في إحدى مراحل العمل. وتُضاف إلى ما تَقدّم، الشكوك المُثارة حول مدّة التنفيذ، والتي لن تكون كافية لإجراء عمرة شاملة.
في ظلّ هذه المعطيات، يصبح من الصعب فصل مسألة ارتفاع أسعار المشتقّات النفطية عن الأسئلة الأوسع المتعلّقة بإدارة القطاع، وحجم الإنتاج الفعلي، وقدرة المصافي، وآلية استيراد المشتقات، ومدى وضوح البيانات التي تقدّمها الجهات الحكومية حول كلّ ذلك. ورغم مرور ما يقرب من 21 شهراً على إلغاء الدعم الحكومي للمشتقّات النفطية، فإن الحكومة الانتقالية فشلت إلى الآن في إقناع السوريين بصوابية خطوتها؛ لا لشيء، وإنما لأنها اختارت أسلوب الضبابية والغموض في كلّ ما يتعلق بهذا الملف، وهو ما عزّز الشكوك حيال طريقة إدارة قطاع الطاقة برمّته. والشكوك هذه لم يعد ممكناً تجاهلها البتّة، ولا سيما في ظلّ تلمّس السوريين حقيقة أن أسعار مبيع المشتقّات النفطية في بلدهم، الذي ينتج نظرياً ثلث احتياجاته المحلّية، هي أعلى من أسعارها في دول أخرى.
الأخبار



