الاخبار

فيدان في دمشق: مشروع طموح لـ«مأسسة» العلاقات

في زيارة تستمرّ ليومين، وتحمل أجندة «مأسسة» العلاقات بين تركيا وسوريا، فضلاً عن التمهيد لزيارة مُرتقبة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى دمشق، ستكون الأولى في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، وصل وزير الخارجية التركي، حاقان فيدان، أمس، إلى دمشق. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أشار فيدان إلى أن الهدف من هذه الزيارة تشكيل «هيئة عليا» لتنظيم العلاقات، موضحاً أنه تمّ الاتفاق على «إنشاء لجنة مشتركة برئاسة وزراء البلدَين لإحراز تقدّم في كلّ القطاعات بأسرع شكل». وتابع: «(إننا) نسعى لتلبية احتياجات رجال الأعمال على أساس الاستثمار المتبادل والشراكة»، لافتاً إلى أن الجانب التمويلي والتأشيرات ورخص العمل والشهادات، من المسائل التي تسعى أنقرة لمعالجتها، مضيفاً أن الاهتمام بسوريا لا يقتصر على المناقصات والطاقة، بل يشمل أيضاً قطاع الألبسة والصناعيين.

إلى جانب ما تَقدّم، كشف فيدان عن العمل على مشروع لخطّ سكة حديد يربط تركيا بالسعودية مروراً بالأراضي السورية، قائلاً إن سوريا يمكن أن تلعب دوراً محورياً في الربط بين الأردن والسعودية ودول الخليج والعراق شرقاً، وتركيا والبحر المتوسط وأوروبا غرباً، مضيفاً أن أنقرة تعمل بصورة «مُكثّفة» لدفع المشروع قدماً، وذلك في إطار رؤية أوسع لتعزيز موقع سوريا ضمن شبكات النقل والتجارة الإقليمية. ورأى أن من شأن تطبيق هذه الرؤية تقديم دفعة للحركة التجارية بين تركيا ودول الخليج، والمساهمة في دعم الاقتصاد السوري عبر حركة «الترانزيت». أيضاً، كشف وزير الخارجية التركي، الذي لعبت بلاده دوراً بارزاً في وصول «هيئة تحرير الشام» إلى سدّة الحكم، وباتت تملك حضوراً غير مسبوق في هذا البلد، عن زيارة مُرتقبة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى سوريا، مشيراً إلى أن اللقاءات بين البلدَين ستكون مُكثّفة وستشمل المسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفق تعبيره.

وتمتلك تركيا استثمارات كبيرة في الشمال السوري – مرتبطة بالبنى التحتية -، كانت تتركّز بشكل أساسي في إدلب وريف حلب، قبل أن تتمدّد نحو مدينة حلب ومحيطها، بالإضافة إلى العاصمة دمشق. كما تمتلك حضوراً عسكرياً تحاول إسرائيل منع توسّعه عبر تنفيذ اعتداءات على مواقع سورية حاولت أنقرة التموضع فيها، آخرها مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب.
بدوره، ذكر الشيباني أنه تمّ عقد عشرات اللقاءات بين البلدَين على المستويات الرئاسية والوزارية وتوقيع 40 اتفاقية ومذكّرة تفاهم، لافتاً إلى أن اتفاقية الطاقة التي وُقّعت في أيار من العام الماضي، أسهمت في انسياب التيار الكهربائي عبر الحدود نحو الشمال السوري. وأشار إلى أن «وكالة التعاون والتنسيق التركية» تسهم في إعادة تأهيل البنى التحتية والقطاعات الخدمية في سوريا، مضيفاً أن «عودة أكثر من 700 ألف سوري من تركيا إلى ديارهم منذ التحرير هو تتويج للجهود المشتركة».

وبيّن أن «مباحثات اليوم تتمحور حول تفعيل اللجنة العليا المشتركة بين البلدَين لتكون النظرة المؤسّسية هي الناظمة لكلّ مساراتنا الحيوية السياسية ‏والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، إضافة إلى ملفات الطاقة والعودة والتعليم ‏والثقافة»، كاشفاً عن اعتماد اللغة التركية بشكل اختياري في المدارس لِمن يودّ تعلّمها.

أمّا في الجانب التجاري، فتحدّث الوزير السوري عن أن البلدَين يستهدفان رفع حجم التبادل التجاري، الذي قارب 4 مليارات دولار خلال العام الماضي، إلى 10 مليارات دولار، مع التركيز على شراكات الإنتاج، وزيادة المحتوى المحلّي والتشغيل السوري، وإقامة مناطق صناعية مشتركة على الحدود. غير أن الحديث عن هذا الرقم يثير تساؤلات وشكوكاً كثيرة، ولا سيما في ظلّ العجز الذي تعانيه القطاعات الإنتاجية السورية. وإذ يُرجّح أن تأتي الزيادة بصورة أساسية من توسيع الاستيراد من تركيا، فإن من شأن ذلك أن يفاقم العجز التجاري ويضع المُنتجات السورية غير المحميّة أمام منافسة تركية أكبر.

وبينما ركّز المؤتمر الصحافي بين الوزيرَين على الشأن الاقتصادي، تأتي زيارة الوزير التركي بالتزامن مع محاولة السلطات الانتقالية في سوريا التوصّل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، بدفع أميركي. وفي هذا السياق، اعتبر فيدان أن «هناك مشهداً سلبياً واحداً في المنطقة، ففي الوقت الذي توجد فيه سوريا تبعث الأمل للعالم، هناك طرف يسعى إلى زعزعة استقرارها، وهو إسرائيل». وأضاف أن تركيا تتابع عن كثب التطورات جنوبي سوريا، وتعلم أن لإسرائيل دوراً في حالة عدم الاستقرار هناك، متابعاً أن السياسات التي تتّبعها إسرائيل تشكّل أخطر عقبة أمام هذا المسار الإيجابي. كذلك، تطرّق فيدان إلى ملف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تمّ حلها ودمجها في السلطات الانتقالية برعاية أميركية، واصفاً هذه الخطوة بـ«المهمّة». وأشار إلى أن العلاقات السورية – التركية شهدت خلال عامَين تقدّماً في ملفّ «مكافحة الإرهاب»، مضيفاً أن الدولة السورية تُظهِر مساعيَ جادّة في ما يتعلّق بالملف المذكور.

وبالنظر إلى سياق الزيارة والمواقف التي تخلّلتها، يمكن القول إنها تؤسّس لمرحلة تسعى فيها أنقرة إلى تحويل نفوذها السياسي والعسكري في سوريا إلى شراكة مؤسّسية طويلة الأمد – تشمل الاقتصاد والطاقة والنقل والأمن -، بالتوازي مع تثبيت موقعها طرفاً رئيساً في مواجهة التغوّل الإسرائيلي داخل البلاد.

الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى