الاخبار

حَراك متسارع على خطّ السويداء: أميركا تبحث عن «إنجاز» جديد للشرع

عشية انعقاد اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتحدة في نيويورك، في الثلث الأخير من أيلول الحالي، والتي سيشارك فيها الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، في زيارة ستكون الثانية له إلى نيويورك والثالثة إلى الولايات المتحدة منذ تولّيه الرئاسة، تكثّف كلّ من تركيا والولايات المتحدة ضغوطهما في سبيل حلحلة ملفَّين رئيسَين: الاتفاق الأمني مع إسرائيل، الذي تشكّل فيه تركيا طرفاً وازناً أخذاً في الاعتبار تنافسها مع الأولى على النفوذ في سوريا؛ و«السويداء» الذي تتداخل فيه عوامل عديدة، وتؤدي تل أبيب فيه دوراً محورياً. وتأتي هذه الضغوط بعد النجاح في احتواء ملفّ الأكراد عبر حلّ «قسد» و«الإدارة الذاتية»، ورفع واشنطن جميع العقوبات التي كانت تفرضها على دمشق، الأمر الذي سمح بالتفرّغ للمسألتَين المذكورتَين، اللتَين من شأن حلحلتهما مساعدة الشرع في الظهور محمّلاً بـ«نجاحات غير مسبوقة».

في هذا السياق، زار وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أنقرة، حيث أجرى لقاءات مع نظيره التركي، حاقان فيدان، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس برّاك. وبينما لم تكشف السلطات السورية أو التركية عمّا تناوله الشيباني مع فيدان، ذكرت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) أن الأوّل ناقش مع برّاك «تعزيز العلاقات الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة للبلدَين». ومن جهته، ذكر برّاك، عبر حسابه على موقع «إكس»، أن اجتماعه بالشيباني استمرّ حتى ساعة متأخّرة من الليل، مشيداً بجهود الوزير السوري في خفض حدّة التوتر «في منطقة لا تحتمل هامشاً واسعاً لسوء التقدير»، معتبراً أن «الدبلوماسية ليست مسرحاً، بل هي مواءمة صبورة للمصالح قبل أن تسير الأحداث في اتّجاه معاكس». وإذ أعرب عن امتنانه لـ«صراحة» النقاش، فهو أشار إلى أن الشيباني يدرك أن «ضبط النفس والحوار» يمثلّان أيضاً شكلَين من «أشكال القوة»، وفق تعبيره.

يبدو التحرّك الأميركي لحلحة ملفَّي العلاقات السورية – الإسرائيلية، والسويداء، جديّاً ومستعجلاً

وإذ لم يحمل منشور برّاك تفاصيل، فهو تناول، بشكل غير مباشر، المفاوضات الجارية بين دمشق وتل أبيب، والتي تؤدي فيها واشنطن دوراً محورياً، وتستمرّ إسرائيل في خضمّها في محاولة فرض أمر واقع على سوريا يمنعها من بناء قدرات عسكرية، ويجعلها مفتوحة أمام «النشاط» العسكري الإسرائيلي الجوي والبرّي. وجاءت هذه التصريحات بعد أيام قليلة من إعلان المبعوث الأميركي دعم السلطات الانتقالية في ملف السويداء، ووصفه الفصائل المحلّية المدعومة من إسرائيل، والتي تسيطر على المحافظة ذات الغالبية الدرزية، بأنها «عصابات»، وتأكيده أن «المسار الوحيد لحلّ ملف السويداء هو خريطة الطريق التي تمّ وضعها في عمّان» -في إشارة إلى الاتفاق الذي جرى توقيعه في أيلول من العام الماضي في الأردن-، الأمر الذي يعني فعلياً رفض واشنطن دعوات المرجع الدرزي، حكمت الهجري، إلى الانفصال عن سوريا.

وتقوم «خريطة الطريق» التي جرى توقيعها بموجب تفاهم سوري – أردني – أميركي، ورفضتها فصائل السويداء المحلّية، على اعتبار المحافظة جزءاً من سوريا، واعتماد ترتيبات انتقالية تنتهي بإعادة دمجها بالكامل في مؤسّسات الدولة. كما تنصّ الخريطة المؤلّفة من 13 بنداً على دعوة «لجنة التحقيق الدولية المستقلّة» إلى التحقيق في أحداث السويداء، ومحاسبة المتورّطين في الانتهاكات ضدّ المدنيين، واستمرار إدخال المساعدات الإنسانية والطبية، وإعادة الخدمات الأساسية، وتعويض المتضرّرين وإعمار القرى والممتلكات، وتأمين عودة النازحين، إلى جانب إطلاق المحتجزين والمختطفين، وكشف مصير المفقودين، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض الطائفي.

أمّا في الجانب الأمني والإداري، فتنصّ الخريطة على نشر قوات من وزارة الداخلية على طريق دمشق – السويداء، وسحب المقاتلين المدنيين من حدود المحافظة واستبدالهم بقوات شرطية نظامية، إضافة إلى تشكيل قوة شرطة محلّية تضمّ مختلف مكونات السويداء، يقودها شخص من أبناء المحافظة تعيّنه وزارة الداخلية. كذلك، تقتضي الخريطة تشكيل مجلس محافظة يمثّل المكونات المحلّية، وإعادة تفعيل المؤسسات المدنية بالتعاون مع دمشق، وإطلاق مسار للمصالحة بين الدروز والعشائر، وإنهاء التدخّل الخارجي؛ وهي تدعو أيضاً إلى أن تعمل الولايات المتحدة، بدعم أردني وبالتشاور مع الحكومة السورية، على التوصّل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل بشأن الجنوب، وإنشاء «آلية ثلاثية» سورية – أردنية – أميركية لمراقبة التنفيذ.

وفي سياق الجهود المتجدّدة نفسها للدفع بهذه الخطّة أيضاً، استقبل الشيباني في دمشق نظيره الأردني، أيمن الصفدي، الذي وصل للمشاركة في التحضير للدورة الثالثة لـ«مجلس التنسيق الأعلى»، المقرّر عقدها في دمشق خلال تشرين الأول المقبل. وذكرت «سانا» أن الجانبَين ناقشا مسار تنفيذ «خريطة الطريق الثلاثية» بخصوص محافظة السويداء، مضيفةً أن الاجتماع تطرّق إلى العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في المجالات كافة، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع في الجنوب السوري.
وفي ضوء ما تَقدّم، يبدو التحرّك الأميركي جدّياً ومستعجلاً؛ وهو يهدف، بشكل أساسي، إلى طيّ صفحة آخر الملفّات المعقّدة في البلاد، واستكمال بناء النموذج الذي تتطلّع إليه الولايات المتحدة للدول التي تنطوي «تحت جناحها».

الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى