“فورين أفيرز”: بعد حرب إيران.. ماذا ينتظر المنطقة سياسياً وعسكرياً وإقتصادياً؟

لطالما كان الشرق الأوسط ساحةً للصراعات والحروب، لكن الأشهر الستة الماضية كانت، حتى بمقاييس المنطقة نفسها، استثنائية في حجم الفوضى والاضطرابات التي شهدتها.
فمنذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على إيران، في 28 شباط/فبراير الماضي، واجهت دول المنطقة موجات متكررة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، استهدفت القواعد العسكرية الأميركية المتمركزة على أراضيها، وكذلك منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه.
واضطرت مطاراتها ومصافي النفط فيها إلى تعليق عملياتها مراراً، فيما توقفت موانئها التجارية عن العمل في بعض الأحيان. وبرغم أشهر الهدنة والمفاوضات، يبدو أن واشنطن وطهران لا تزالان على استعداد لخوض جولات جديدة من القتال، ولو بشكل متقطع، في محاولة كل منهما لاستنزاف عتاد الآخر وإضعاف عزيمته.
ومع استمرار الصراع، لن تقتصر الأضرار التي تلحق بدول الشرق الأوسط؛ في دول الخليج على وجه الخصوص؛ على ببنيتها التحتية بكثير، بل وستعمّق حدّة الانقسامات الداخلية القائمة. كما ستتأثر بعض الاقتصادات أكثر من غيرها، مما قد يُزعزع استقرار الأوضاع السياسية.
وقد تتعرض المؤسسات المركزية للمنطقة، مثل منظمة “أوبك بلاس” لضغوط شديدة ومتزايدة. للأسف، لا يوجد حل مباشر لمواجهة كل هذه التحديات في ظلّ الفوضى المتزايدة. نعم، هناك مجموعة من التدابير التي يمكن اتخاذها، لكن أياً منها ليس سهلاً، كما أن لكل منها تداعياته الخاصة. لذا، سيتعين على دول المنطقة إعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع العالم الخارجي، والأهم من ذلك، في علاقاتها ببعضها البعض.
بيت منقسم
لطالما شهدت دول الشرق الأوسط خلافات وتباينات فيما بينها. فقد تنازعت، على سبيل المثال، بشأن إسرائيل والإسلام السياسي وسياسات النفط.
كما تتبنى السعودية والإمارات رؤى متباينة تجاه قضايا المنطقة، بما في ذلك ليبيا والسودان واليمن. إلا أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تعمّق هذه الانقسامات أكثر، وتفتح جبهات خلاف جديدة بدأت تُعيق حتى الجهود المبذولة للتكيف مع الحرب المتصاعدة.
وهذا ما بدأنا نلمسه مؤخراً. فالإمارات، على سبيل المثال، أبدت استياءها مما وصفته بـ”اللهجة الفاترة” للإدانات التي صدرت عن مسقط والرياض والدوحة عندما تعرضت بنيتها التحتية لهجمات إيرانية.
كما تختلف هذه الدول بشأن كيفية التعامل مع الحرب نفسها، والعلاقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي يصعب التنبؤ بتوجهاتها. وقد تراكمت هذه الخلافات فوق النزاعات القائمة، ما غذّى مشاعر الاستياء وجعل إدارة تباينات المنطقة أكثر صعوبة.

بدأ الصراع الأميركي-الإيراني أيضاً في إحداث انقسام بين دول الخليج والولايات المتحدة؛ الضامن الرئيسي لأمنها. فعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض، اعتقدت حكومات الخليج أن علاقاتها مع واشنطن ستتحسن بعد أربع سنوات مضطربة مع إدارة سلفه جو بايدن.
فخلال ولايته الأولى، اتسم نهج ترامب السياسي تجاه المنطقة بالود والبراغماتية القائمة على الصفقات والمصالح المشتركة. وقد بذل مسؤولون من الشرق الأوسط جهوداً حثيثة لكسب ودّه، شملت التعهد بإنفاق تريليونات الدولارات في الولايات المتحدة، وزيادة إنتاج النفط، وتوجيه صفقات استثمارية إلى عائلة الرئيس نفسها.
لكن ترامب شنّ بعد ذلك حربين ضدَّ إيران، مُفضلاً رغبة إسرائيل في إضعاف الجمهورية الإسلامية ولو على حساب الاستقرار في المنطقة، ما عزّز القناعة بأن واشنطن لم تعد شريكاً يمكن الاعتماد عليه. لطالما شعرت دول الشرق الأوسط بالقلق إزاء اعتمادها الكبير- وشبه الحصري- على الولايات المتحدة، ولذلك سعت، منذ انتفاضات ما يُعرف بـ”الربيع العربي”، عام 2011، إلى تنويع شراكاتها.
وقد أصبحت هذه المساعي اليوم أكثر جدّية مما كانت عليه في الماضي.
فعلى سبيل المثال، أبرمت السعودية، مؤخراً، اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا. كما بدأت بعض حكومات المنطقة بشراء المزيد من الأسلحة من موردين في أوروبا وكوريا الجنوبية وتركيا، وحتى أوكرانيا.
وفي موازاة ذلك، تواصل توسيع نطاق شراكاتها السياسية والاقتصادية مع موسكو وبكين، مع تركيز خاص على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الأخيرة، التي تتصدر حالياً قائمة مستوردي النفط الخام من المنطقة، فيما تتبادل معها سلعاً تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات.
ومع ذلك، سيظل أي تحول بعيداً عن الولايات المتحدة محدوداً، على الأقل في الوقت الراهن: فلا يوجد شريكٌ أمني بديل؛ إذ تحجم الصين عن استخدام قوتها الاقتصادية لتقديم مساعدات عسكرية، بينما لا تزال روسيا غارقة في حربها مع أوكرانيا، وتكافح أوروبا للتنسيق في القضايا الدفاعية.
أضف إلى ذلك أن حكومات المنطقة مستاءة من الجهود الصينية والروسية لمساعدة إيران في الحرب.
وبرغم أن وجود القواعد العسكرية الأميركية قد جعل الدول المضيفة عرضة للاستهداف، فإن حكومات المنطقة لا تزال ترغب في بقاء هذه القواعد أملاً في الحصول على الحماية الأميركية.
لكن، وخلافاً لمحاولات تنويع الشراكات في الماضي، فإن محاولة دول الخليج التحول بعيداً عن واشنطن اليوم- ولو بشكل محدود- قد يكون أكثر جدوى. فهذه المرة، لا يقتصر الأمر على اتخاذ خطوات احترازية في مواجهة سياسات أميركية لا تروق لها، بل يتعلق بالسعي بصورة أكبر إلى تأمين احتياجاتها وحماية مصالحها.
وقد يكون هذا التحول كافياً لتقليص النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. وقد تذهب بعض الأطراف الإقليمية إلى الانخراط بصورة أكبر مع إيران، من خلال منحها دوراً في ترتيبات الأمن الإقليمي مقابل التزامها بسلوك أقل تهديداً. ففي نهاية المطاف، إذا كانت واشنطن غير قادرة على توفير الحماية المطلوبة، بل وقد تسهم في زيادة الشعور بعدم الأمان، فقد لا يكون الحوار مع طهران هو الخيار الأسلم، لا سيما أن سنوات من سياسة الاحتواء لم تحقق أهدافها.
أفضل الخيارات السيئة
لا يمكن للشرق الأوسط، بطبيعة الحال، أن يعتمد فقط على القوى الأجنبية لحمايته من تداعيات الاضطرابات طويلة الأمد. ستحتاج دوله أيضاً إلى تعزيز قدراتها الدفاعية (…)، ووضع حدٍ للانقسامات السياسية المتزايدة التي تحول دون التعاون في ما بينها في المجال الدفاعي. فعلى سبيل المثال، قد تتردّد هذه الدول في زيادة دمج وتكامل شبكات دفاعها الجوي والصاروخي أو تطوير أنظمة الإنذار المبكر للهجمات المحتملة، نظراً لأن ذلك يتطلب تبادل معلومات استخباراتية وبيانات حسّاسة.

وإذا ما دخلت هذه الدول في منافسة على الموارد العسكرية المحدودة، مثل صواريخ الاعتراض الجوي التي يزداد الطلب عليها، فقد يتحول الدفاع نفسه إلى ساحة جديدة للتنافس. وقد تكون تداعيات ذلك قاسية بوجه خاص على الدول الأقل ثراءً في المنطقة، مثل البحرين والأردن، اللتين لا تملكان الموارد الكافية لزيادة ميزانياتهما الدفاعية بصورة كبيرة، وستحتاجان إلى دعم من جيرانهما.
علاوة على ذلك، ومهما أنفقت دول المنطقة على تعزيز قدراتها الدفاعية، فلا توجد منظومة دفاعية منيعة مائة بالمائة تستطيع لوحدها تغطية ملايين الأميال المربعة وإسقاط وابل من الطائرات المسيّرة والصواريخ (…).
والانقسامات السياسية والأمنية ستتسبب في إضعاف فعّالية شبكات الدفاع الجوي أكثر وأكثر، وهو ما ينذر بمستقبل اقتصادي قاتم للمنطقة. من جهة ثانية، تعتمد معظم دول الشرق الأوسط على صادرات النفط والغاز كمصدر رئيسي للإيرادات، وقد أثبتت حرب إيران أن هذه التجارة أو ما يمكن عرقلتها بل وشلها. فعلى سبيل المثال، أثبتت طهران أنها تستطيع تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره معظم نفط المنطقة وغازها، إلى أجل غير مسمى، بمجرد التهديد بذلك. حتى التصدير عبر البحر الأحمر- قناة السويس ومضيق باب المندب يمكن أن يتوقف، وقد سبق للحوثيين أن عطّلوا حركة الملاحة فيها خلال السنوات الثلاث الماضية.
“دول الرفاه” تتلاشى!
وإذا استمرت الصعوبات التي تواجهها دول الشرق الأوسط في تصدير نفطها وغازها، فقد تواجه المنطقة اضطرابات سياسية داخلية. ويتضح هذا جلياً بالنسبة للدول الأكثر اعتماداً على النفط، كالعراق، الذي سيجد صعوبة في سداد فاتورة أجور القطاع العام الضخمة من دون عائدات المحروقات. وينطبق الأمر نفسه على البحرين، التي تُعدّ من بين الدول الأكثر مديونية في العالم. وحتى الدول الأكثر ثراءً قد تواجه مشكلات.

فعلى مدى العقدين ونصف العقد الماضيين، استخدمت دول الخليج عائدات مبيعات النفط والغاز لبناء بعض من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم (تبلغ قيمة أصول ثلاثة منها، أحدها في الكويت وآخر في السعودية وثالث في الإمارات، قرابة تريليون دولار) .
وإذا أصبح إغلاق الممرات المائية في المنطقة وتراجع صادرات المحروقات وضعاً مُستداماً، فقد يتزعزع الأمن الاجتماعي في هذه الدول؛ القائم على “دولة الرفاه” لضغوط متزايدة. تُدرك الدول العربية هذه المخاطر بلا شك، وتتخذ خطوات لتفاديها. فبعضها، على سبيل المثال، يعتزم الاستثمار في خطوط أنابيب تتيح تجاوز الممرات الاستراتيجية الضيقة في المنطقة.
إلا أن التعامل مع قضايا خطوط الأنابيب في الإقليم لم يكن سهلاً في الماضي، بل أدى في بعض الحالات إلى توتر العلاقات بين دول عدّة، من بينها العراق وتركيا وقطر والسعودية. كما تظل هذه البنية التحتية عرضة للهجمات وأعمال التخريب. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تتفق حكومات الشرق الأوسط على حل مشترك يتمثل في بناء مستودعات نفطية خارج المنطقة.
الآلية بسيطة: عندما يكون مضيق هرمز مفتوحاً، يمكن للدول تصدير إمداداتها بسرعة وملء خزانات التخزين في الخارج. وعندما يُغلق المضيق، تستطيع الدول المستوردة سحب هذه المخزونات لتلبية احتياجاتها. ومن شأن هذا النظام أن يفيد الجميع، وليس فقط الدول التي يتيح لها موقعها الجغرافي الوصول بحرية إلى مضيق هرمز.
كما يوفر التخزين في الخارج ميزة إضافية تتمثل في إبعاد الإمدادات عن مناطق الصراع، ما يجعل استهدافها من أي طرق إقليمي أكثر صعوبة، وإن كانت هذه الترتيبات لن تكون بمنأى عن اضطرابات أخرى. في الواقع، بدأت بعض دول الشرق الأوسط بالفعل باتخاذ خطوات لزيادة قدراتها على التخزين في الخارج. فالكويت، على سبيل المثال، تسعى إلى توسيع شبكة تخزين النفط التابعة لها في اليابان. وتدرس الإمارات خططاً لزيادة سعة تخزين النفط الخام في الهند، فيما أبدى عدد من منتجي النفط والغاز، إلى جانب الكويت، اهتماماً بتخزين نفطهم وغازهم في كوريا الجنوبية.
لكن هذا الحل يظلُّ جزئياً. فمرافق التخزين، في نهاية المطاف، محدودة السعة. كما أن معالجة مشكلة من هذا النوع، ولو جزئياً، قد تُفضي إلى مشكلة أخرى. فلدى منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) والدول العشر المتحالفة معها، والمعروفة مجتمعة باسم “أوبك بلاس”، حصص إنتاجية مثيرة للجدل. وقد يؤدي التوسع في التخزين النفطي في الخارج إلى تفاقم هذه الخلافات.
بل قد يشجع المزيد من الدول على تجاوز حصص الإنتاج المتفق عليها، ما قد يزيد من حدّة الانقسامات داخل “أوبك بلاس”.
اختبار الصمود
على الرغم من كل هذه التحديات، يُشير التاريخ إلى أن المنطقة قادرة على تجاوز الصراع الأميركي-الإيراني، وربما حتى تجنّب آثاره المدمرة طويلة الأمد. فهذه ليست المرة الأولى التي تضطر فيها المنطقة إلى التعامل مع حرب في ظروف بالغة الصعوبة.
فقد تعافت من الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات في ثمانينيات القرن الماضي، وصمدت أمام غزو العراق للكويت عام 1990 وغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003.

في العديد من هذه الأزمات، نجحت أطراف إقليمية في إيجاد حلول مبتكرة والتكيف مع الظروف تحت وطأة الضغوط. فقد تمكنت مصر من شطب نصف ديونها العامة وتجنب أزمة مالية، بعدما انضمت إلى الولايات المتحدة في مواجهة العراق عام 1990.
وفي العقد نفسه، تمكنت قطر من تجاوز القيود التي فرضتها الجغرافيا السياسية لخطوط الأنابيب، من خلال رهان ممول بالديون على تقنية جديدة تقوم على تحويل الغاز الطبيعي إلى سائل وتصديره بحراً. وعندما أثمر هذا الرهان، أصبحت قطر واحدة من أغنى دول العالم.
تواجه دول الشرق الأوسط اليوم تحدياتٍ تتطلب إعادة التفكير في خياراتها. فهي بحاجة إلى ابتكار سُبلٍ جديدة للحفاظ على ثرواتها، وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، وتنويع مصادر أمنها، بل وحتى تولي مسؤولية أمنها بنفسها. كما تحتاج إلى آليةٍ جديدةٍ تُساعدها على إدارة خلافاتها وتوحيد صفوفها في مواجهة التهديدات المشتركة. فهذه الخطوات هي السبيل إلى تمكين هذه الدول من تجاوز الصراع الأميركي-الإيراني الراهن، والصمود في وجه صراعات أخرى مُحتملة في المستقبل.
180



