زلزال عسكري مرتقب بالخليج.. واشنطن تدرس سحب قواتها وإعادة رسم خريطة الانتشار الأمريكي

تدرس وزارة الدفاع الأميركية تقليص الوجود العسكري في منطقة الخليج بعد انتهاء الحرب مع إيران، في خطوة قد تعيد رسم طبيعة الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وفق ما نقلته صحيفة “واشنطن بوست” عن ثمانية مسؤولين وأشخاص مطلعين على المناقشات.
وأفادت الصحيفة بأن البنتاغون يقيّم حالياً ما إذا كان ينبغي سحب جزء من القوات الأميركية المتمركزة في الخليج، في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقواعد العسكرية الأميركية جراء الهجمات الإيرانية خلال الحرب، مع مؤشرات إلى أن الوزارة قد لا تعيد بناء تلك المنشآت بالشكل الذي كانت عليه قبل اندلاع الصراع.
ويقود مكتب السياسات في البنتاغون هذا التقييم، بمشاركة هيئة الأركان المشتركة والقيادة المركزية الأميركية. وأكد مسؤول كبير في الوزارة أن وزير الدفاع بيت هيغسيث لم يأمر بعد بإجراء مراجعة رسمية للانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، واصفاً المناقشات الجارية بأنها “تخطيط حكيم” قد يساعد الإدارة لاحقاً على اتخاذ قرار بشأن إعادة بناء القواعد المتضررة.
وتنشر القيادة المركزية الأميركية عادةً نحو 40 ألف جندي في قرابة 20 موقعاً عسكرياً تمتد على مسافة نحو 1500 ميل من الأردن إلى سلطنة عُمان. ومنذ بداية العام، عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة بسفن حربية وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي، ونفذت أكثر من 13 ألف ضربة ضد إيران.
وتتركز أكبر القواعد الأميركية وأكثرها استقراراً في الخليج، حيث تستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس الأميركي، فيما تستضيف الكويت وغيرها من دول الخليج قوات ومعدات تابعة للجيش والقوات الجوية الأميركية.
وأثارت الأضرار التي لحقت بهذه المنشآت نقاشاً داخل البنتاغون بشأن جدوى استمرار الانتشار الأميركي التقليدي في الخليج، ولا سيما بعد مقتل ستة جنود أميركيين في ضربة إيرانية استهدفت منشأة عسكرية في ميناء الشعيبة بالكويت، إضافة إلى تضرر أو تدمير أكثر من 200 منشأة أميركية خلال الحرب. كما استنزفت القوات الأميركية أكثر من ألف صاروخ اعتراض متطور من منظومات الدفاع الجوي، ما أدى إلى تراجع مخزونات البنتاغون من صواريخ “باتريوت” و”ثاد”.
ونقلت “واشنطن بوست” عن مسؤول أميركي أن النقاشات شملت احتمال نقل قوات أميركية من منطقة الخليج باتجاه الغرب، مشيرة إلى أن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال برادلي كوبر، يدعم المداولات بشأن هذا الخيار.
وكانت القيادة المركزية قد أخلت، قبل اندلاع الحرب في فبراير، عدداً من القواعد الأميركية، بعدما خلصت إلى أنها معرضة بدرجة كبيرة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ووفق الصحيفة، قد يستمر بعض هذه التغييرات في انتشار القوات حتى بعد انتهاء الحرب.
ومن بين الخيارات المطروحة نقل مزيد من القوات والمعدات إلى مواقع في الأردن أو إسرائيل أو ساحل البحر الأحمر في السعودية، بهدف تقليل تعرضها للهجمات، رغم أن إيران أثبتت قدرتها على استهداف مواقع بعيدة، بما فيها الأردن وإسرائيل.
وتشير الصحيفة إلى أن أي خفض للوجود العسكري الأميركي في الخليج قد يثير مخاوف لدى دول المنطقة التي اعتمدت لعقود على القوات الأميركية في توفير مظلة أمنية، وقد يدفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية أو البحث عن شراكات مع قوى أخرى، وهي عملية قد تستغرق أشهراً أو سنوات. وفي المقابل، يرى مسؤولون سابقون أن دول الخليج يمكنها الإبقاء على جوانب رئيسية من شراكتها الأمنية مع واشنطن، مثل صفقات الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخبارية، حتى مع وجود عسكري أميركي أصغر حجماً.
وتقدر وزارة الدفاع الأميركية كلفة الحرب بنحو 37.5 مليار دولار بحلول نهاية سبتمبر، دون احتساب تكاليف إعادة بناء القواعد والمنشآت التي تعرضت للدمار، فيما قدر معهد “أمريكان إنتربرايز” في أبريل كلفة إصلاح القواعد الأميركية المستهدفة بنحو 5 مليارات دولار.
ورغم ذلك، حذر أشخاص مطلعون على المناقشات من أن أي تغيير دائم في طبيعة الانتشار العسكري الأميركي لا يزال بعيداً، وسيحتاج إلى موافقة كبار مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وتأتي هذه المداولات في ظل خلاف داخل الإدارة الأميركية بشأن مستقبل الوجود العسكري في الشرق الأوسط، إذ تدفع تيارات إلى تقليص الالتزامات العسكرية والتركيز على حماية الأراضي الأميركية ومواجهة خصوم أقوى مثل الصين، بينما تدعو أصوات أكثر تشدداً إلى تعزيز الوجود الأميركي في المنطقة، بما في ذلك نقل مزيد من القوات إلى إسرائيل.



