نحو اقتصاد حر.. كيف يمكن بناء مستقبل اقتصادي مستدام في سورية؟

يؤكد الاستشاري المالي والاقتصادي سامر البواب أن ملامح النموذج الاقتصادي الذي يمكن أن تتبناه سورية خلال المرحلة المقبلة، لا تزال غير واضحة بشكل كامل، سواء من حيث طبيعة الاقتصاد أو الأدوات والسياسات التي ستُستخدم لإدارته.
ولطالما كان الانتقال نحو اقتصاد أكثر حرية وانفتاحاً هدفاً يتطلع إليه كثيرون، لكن هذا التحول يحتاج إلى رؤية واضحة وخارطة طريق تحدد كيفية الانتقال من نموذج اقتصادي موروث إلى نموذج جديد قادر على تحقيق النمو والاستقرار.
عقد اجتماعي جديد لمرحلة اقتصادية مختلفة
إن بناء تجربة اقتصادية جديدة في سورية يتطلب، قبل كل شيء، صياغة عقد اجتماعي جديد يحدد العلاقة بين الدولة والمواطن والقطاع الخاص، ويضع الأسس اللازمة لاقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية.
ويمكن الاستفادة في هذا السياق من تجارب دول استطاعت خلال فترات زمنية محدودة تحقيق تحولات اقتصادية لافتة، مثل سنغافورة ورواندا، مع مراعاة خصوصية الواقع السوري وعدم نسخ تجارب الآخرين بصورة حرفية.
الاستثمار يحتاج إلى بيئة حقيقية
ومن أهم الأولويات توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على إنتاج قيمة مضافة وخلق فرص عمل حقيقية، بدلاً من التركيز على الاستثمارات العقارية وحدها.
فسورية تحتاج إلى بيئة استثمارية متكاملة قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وتشجيع الاستثمارات طويلة الأجل في الصناعة والزراعة والطاقة والتكنولوجيا والخدمات والبنية التحتية.
كما أن توفير أدوات تمويل مناسبة يمثل تحدياً أساسياً، خصوصاً في ظل الظروف المالية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، الأمر الذي يتطلب إيجاد حلول تمويلية جديدة تساعد المستثمرين على إطلاق مشاريع منتجة وقابلة للاستمرار.
تفعيل الشراكة الأوروبية ودور المؤسسات المالية
ومن الملفات التي يمكن أن تدعم المرحلة المقبلة العمل على تفعيل اتفاقية الشراكة الأوروبية وتعزيز التعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي، بما يتيح الاستفادة من الخبرات والموارد المالية المتاحة لدعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.
وفي الوقت نفسه، يمكن لمجالس الأعمال والجهات الاقتصادية أن تلعب دوراً أكبر في التواصل المباشر مع أصحاب القرار في الصناديق الاستثمارية والمحافظ المالية، بهدف بناء قاعدة تمويل حقيقية قادرة على دعم الاقتصاد السوري.
فالهدف لا ينبغي أن يكون جذب الأموال بصورة مؤقتة أو خلق نشاط اقتصادي قائم على المضاربات، وإنما تأسيس استثمارات منتجة تخلق شركات ومشاريع وفرصاً تجارية مستدامة.
من اقتصاد الفقاعة إلى اقتصاد الإنتاج
التحدي الحقيقي أمام سوريا لا يكمن فقط في جذب رؤوس الأموال، وإنما في كيفية تحويل هذه الأموال إلى مشاريع اقتصادية حقيقية.
فالاقتصاد المستدام يحتاج إلى إنتاج وتصدير وتكنولوجيا وفرص عمل، وليس إلى ارتفاعات مؤقتة في أسعار العقارات أو نشاط استثماري منفصل عن الاقتصاد الحقيقي.
ومن هنا، فإن الانتقال إلى اقتصاد حر لا يعني فقط تحرير الأسواق، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية وتشريعات واضحة وبيئة تنافسية ونظام مالي قادر على تمويل النشاط الاقتصادي، إلى جانب حماية حقوق المستثمرين والمستهلكين.
سوريا تمتلك فرصاً وإمكانات كبيرة، لكن الاستفادة منها تتطلب رؤية اقتصادية واضحة تتجاوز الحلول التقليدية، وتضع الإنتاج والاستثمار الحقيقي في صلب عملية بناء الاقتصاد.
أخبار الصناعة السورية



