اقتصاد

مشاريع سكنية بمئات آلاف الدولارات في سورية.. لمن تُبنى؟

لا شك أن الإعلان عن إطلاق مشاريع سكنية وعقارية جديدة في سورية يمثل خبراً إيجابياً في بلد يحتاج بشدة إلى آلاف الوحدات السكنية الجديدة، سواء لاستيعاب العائلات المهجرة، أو مساعدة الشباب على تأسيس حياتهم، أو دعم مرحلة إعادة الإعمار.
لكن الحماس لهذه المشاريع يتراجع سريعاً عندما ننتقل من العناوين العامة إلى الأسعار والمساحات المطروحة.
فحين يتجاوز سعر المتر السكني في بعض المشاريع 1800 دولار، يصبح السؤال مشروعاً: من هو المشتري المستهدف؟
هذه الأسعار تبدو بعيدة عن متناول غالبية السوريين، في ظل ضعف الدخول وانخفاض القدرة الشرائية. وحتى بالنسبة إلى شريحة من المغتربين السوريين من أبناء الطبقة المتوسطة، فإن امتلاك شقة بمئات آلاف الدولارات قد لا يكون خياراً سهلاً، خصوصاً عندما تصل مساحة أصغر الوحدات في بعض المشاريع إلى نحو 200 متر مربع.
وباحتساب سعر 1800 دولار للمتر، فإن ثمن شقة بهذه المساحة قد يصل إلى نحو 360 ألف دولار، وهو مبلغ كبير حتى بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين المقيمين خارج البلاد.
فهل تستهدف هذه المشاريع الأثرياء فقط؟
حتى هذا السؤال لا يقدم إجابة مقنعة بالكامل، إذ إن أصحاب الملاءة المالية الكبيرة غالباً ما يمتلكون بالفعل عقارات وشققاً وفللاً، سواء داخل المدن السورية أو في الخارج، ما يعني أن قاعدة المشترين المحتملين قد تكون أضيق مما يتصور بعض المطورين.
هل تنجح تجربة دبي في سورية؟
المشكلة، في جانب منها، قد لا تكون مرتبطة بالسعر وحده، وإنما بطريقة قراءة السوق السورية.
فبعض المشاريع تبدو وكأنها تحاول استنساخ نموذج التطوير العقاري في دبي وتطبيقه في سورية، رغم الاختلاف الكبير بين السوقين من حيث متوسط الدخل، والقدرة الشرائية، والتمويل العقاري، وحجم الطلب، وحتى طبيعة احتياجات الأسر.
في دبي، على سبيل المثال، تنتشر مشاريع البيع على المخطط (Off-plan)، حيث يشتري العميل الوحدة قبل اكتمال البناء، وقد تمتد فترة التنفيذ لسنوات. لكن المشتري هناك يجد أمامه خيارات واسعة من حيث المساحات والأسعار، تبدأ من الاستوديو والشقق الصغيرة، وصولاً إلى الوحدات الأكبر والفاخرة.
كما تتوافر في السوق الإماراتية أنظمة دفع وتمويل وتسهيلات مصرفية تساعد على توزيع تكلفة شراء العقار على فترات زمنية أطول.
أما في سورية، فالمعادلة مختلفة تماماً.
الدخول لا تزال منخفضة مقارنة بأسعار العقارات، والقدرة الشرائية محدودة، بينما لا يستطيع القطاع المصرفي توفير تمويل عقاري واسع النطاق بقيمة مئات آلاف الدولارات لشريحة كبيرة من المواطنين.
لهذا السبب، فإن طرح وحدات سكنية بأسعار مرتفعة جداً يجعل امتلاكها أمراً شبه مستحيل بالنسبة إلى الغالبية العظمى من السوريين.
المشروع الناجح يبدأ من احتياجات السوق
من الطبيعي أن يبحث المطور العقاري عن الربح، وأن يسعى إلى تقديم مشاريع مميزة تحقق عائداً جيداً على استثماره. لكن المشكلة تبدأ عندما يتم نقل نموذج ناجح من سوق إلى أخرى من دون مراعاة الاختلافات الجوهرية بينهما.
فالقاعدة الأساسية في التطوير العقاري هي أن المشروع يجب أن يتكيف مع السوق، وليس العكس.
وإذا كان المنتج العقاري موجهاً إلى شريحة محدودة جداً من المشترين، فقد لا تكفي الفخامة والتصاميم الحديثة والحملات التسويقية لضمان نجاحه، خصوصاً إذا بقي الطلب الفعلي أقل بكثير من حجم الوحدات المعروضة.
ماذا يحتاج السوريون اليوم؟
السوق السورية تحتاج، قبل المشاريع فائقة الفخامة، إلى وحدات سكنية عملية تتناسب مع الواقع الاقتصادي للأسر.
وهذا يعني شققاً صغيرة ومتوسطة المساحة، بأسعار أكثر واقعية، إلى جانب خطط تقسيط طويلة ومرنة تساعد الراغبين في الشراء على تحمل التكلفة.
فالعائلة السورية لا تحتاج بالضرورة إلى مساحات ضخمة أو خدمات فاخرة حتى تجد مسكناً مناسباً. ما تحتاجه أولاً هو منزل آمن ومحترم، بمساحة عملية وسعر يمكن تحمله، من دون أن يتحول امتلاك المسكن إلى حلم بعيد المنال.
لذلك، قبل أن يسأل المطور العقاري: كم يمكن أن نحقق من سعر المتر؟، ربما يجب أن يبدأ بسؤال أكثر أهمية: من سيشتري هذا المتر؟ وكم يستطيع أن يدفع؟
إعادة الإعمار ليست أبراجاً فاخرة فقط
نجاح قطاع الإسكان في سورية لا ينبغي أن يقاس بعدد الأبراج والمشاريع الفاخرة التي يجري الإعلان عنها، وإنما بقدرة العائلات السورية فعلياً على شراء وحدات سكنية والاستقرار فيها.
فسورية بحاجة إلى مشاريع عقارية تستفيد من الفرص الاستثمارية الموجودة، لكنها في الوقت نفسه تنطلق من واقع المجتمع واحتياجاته وإمكاناته الاقتصادية.
باختصار، السوق السورية تحتاج إلى سكن على مقاس السوريين، لا إلى نسخ جاهزة من تجارب أسواق تختلف عنها جذرياً في مستويات الدخل والتمويل والقدرة الشرائية.
سيريانديز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى