اخبار سريعة

إيجارات حلب تواصل الارتفاع.. الأسعار تتجاوز قدرة المستأجرين

في مشهد يعكس واقعاً معيشياً متأزماً، وجد أحمد جمعة نفسه في مأزق حقيقي مع انتهاء عقد إيجار منزله الواقع في حي صلاح الدين بمدينة حلب. أمامه خياران لا ثالث لهما: إما قبول الزيادة الجديدة التي فرضها المالك والبقاء في المكان الذي اعتاد عليه، أو خوض مغامرة البحث عن منزل آخر ببدل أقل في سوق تشهد جنون أسعار غير مسبوق. وبعد حسابات مطولة، فضل جمعة دفع 1500 دولار كإيجار سنوي، مدركاً أن الانتقال قد يكلفه أكثر مما يوفر، ناهيك عن ندرة المساكن المناسبة ضمن إمكانياته المادية.

لكن أحمد ليس وحده في هذه المعاناة، إذ أكد مستأجرون تحدثت إليهم “عنب بلدي” أن قصته تعكس أزمة واسعة تطال أحياء حلب المختلفة، حيث قفزت بدلات الإيجار بشكل لافت، مع تفاوت كبير في الأسعار يعتمد على موقع العقار ومساحته وحالته وتجهيزاته، بينما يجد كثير من العائلات نفسها أمام معادلة مستحيلة: تحمّل الزيادة أو المغادرة القسرية.

ارتفاع الإيجارات لا يستثني أياً من أحياء حلب

لم يقتصر غلاء الإيجارات على الأحياء الغربية الراقية من المدينة، بل امتد ليشمل المناطق الشرقية التي لا تزال تعاني ويلات الحرب وغياب الخدمات الأساسية. مستأجرون في تلك المناطق يشيرون إلى أن الأسعار أصبحت غير عادلة، إذ لم يعد بدل الإيجار يعكس مستوى الخدمات المتوفرة، فرغم انقطاع المياه والكهرباء، وتضرر شبكات الطرق، ووجود مبانٍ بحاجة إلى ترميم، إلا أن الإيجارات تواصل الصعود بلا مبرر منطقي.

في أحياء شرقية مثل صلاح الدين وبستان القصر، يكاد يكون من المستحيل العثور على سكن بأقل من ألف دولار سنوياً، بحسب ما رصده فريق “عنب بلدي”. واللافت أن هذه الزيادات لا تتوقف حتى في المناطق الأكثر تضرراً، مما يضع المستأجرين في حيرة من أمرهم.

في المقابل، تشهد الأحياء الغربية، التي تعتبر الأكثر طلباً في سوق الإيجارات، ارتفاعات خيالية؛ إذ وصل إيجار بعض المنازل في حي حلب الجديدة إلى أربعة وخمسة آلاف دولار سنوياً. أما الأحياء المتوسطة مثل السريان الجديدة والميرديان، فتدور إيجاراتها حول ثلاثة آلاف دولار، مع تباين بحسب المساحة والموقع والتجهيزات.

الدخل لا يواكب الإيجار.. معادلة صعبة

شكاوى المستأجرين لا تقف عند ارتفاع الأرقام، بل تتجاوزها إلى فجوة كبيرة بين الدخل الشهري وبدل السكن. يقول أحمد عموري، أحد سكان حي صلاح الدين، إن الدخل الشهري بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، بينما يلتهم الإيجار النصيب الأكبر منه، دون الحديث عن فواتير الكهرباء والماء والمواصلات والطعام التي تزيد الطين بلة.

أما عمر مصري، من حي بستان القصر، فيصف الوضع بأنه “سباق مع الزيادات المتلاحقة”، مضيفاً أن الأسر لم تعد قادرة على الموازنة بين البقاء في منازلها الحالية أو الانتقال إلى مناطق أقل كلفة، ولو كانت بعيدة عن العمل أو تفتقر إلى الخدمات. ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تضيق الخيارات أمام العائلات محدودة الدخل، ليصبح السكن عبئاً شهرياً يهدد استقرارها.

لماذا ترتفع الإيجارات؟ خبراء عقاريون يشرحون

محمد فاضل، صاحب مكتب عقاري في حلب، يرجح أن الأسباب متعددة، أبرزها زيادة الطلب على السكن مقابل محدودية المعروض، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الترميم والتجهيز التي تنعكس مباشرة على قيمة الإيجار. ويشير إلى أن المالكين يفضلون في كثير من الأحيان تأجير عقاراتهم بدلاً من بيعها، مما يقلص المعروض للبيع ويزيد الطلب على الإيجار.

ويلفت فاضل إلى أن السوق لا يخضع لسعر موحد؛ فقد يتفاوت بدل الإيجار بشكل كبير بين عقارين متجاورين، تبعاً لحالتهما وتجهيزاتهما. لكن الاتجاه العام هو الصعود في معظم الأحياء، بما فيها الشرقية التي لا تزال تحتاج إلى صيانة.

من ناحية أخرى، لا يمكن إلقاء اللوم كاملاً على المالكين، إذ يواجهون بدورهم ارتفاعاً في تكاليف المعيشة والصيانة، مما يدفعهم إلى رفع الإيجار عند تجديد العقود لتغطية نفقاتهم المتزايدة. ويوضح فاضل أن المالك الذي يعيش على دخل الإيجار يجد نفسه مضطراً لمجاراة غلاء الأسعار، وإن كان هذا لا يبرر بالضرورة حجم الزيادات في بعض المناطق.

جهود محلية لم تنتهِ الأزمة

أزمة الإيجارات ليست وليدة اليوم، فقد كانت محافظة حلب قد ناقشت الملف في أغسطس الماضي، حيث عُقد اجتماع موسع بحث آليات تخفيض الإيجارات وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر. وطرحت خلاله أفكار تتعلق بتحديد قيم إيجارية حسب المناطق والفئات الاجتماعية، ودراسة إمكانية التمديد الحكمي لعقود الإيجار، إلى جانب حلول لزيادة المعروض السكني عبر تحسين الخدمات وتسهيل الترميم ودعم مشاريع الإسكان.

وفي ديسمبر 2025، عاد الملف إلى طاولة المكتب التنفيذي للمحافظة، حيث تقرر تشكيل لجنة مشتركة لدراسة الأزمة واقتراح حلول عملية ضمن الأطر القانونية المتاحة. لكن المستأجرين يتساءلون: هل ستُحدث هذه اللجان فرقاً حقيقياً، أم أن جشع الملاك واستمرار غلاء المعيشة سيبقيان المعادلة بلا حل؟

عنب بلدي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى