لماذا لم تنضم مصر لاتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان..خبراء يوضحون

أثار توقيع اتفاقية «دفاع مشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا تساؤلات حول غياب مصر عن الاتفاق، رغم مشاركتها في المشاورات السياسية التي سبقت الإعلان عنه، إلى جانب الدول الثلاث.
ولم تصدر القاهرة حتى الآن موقفاً رسمياً بشأن الاتفاقية، إلا أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أشار إلى إمكانية انضمام مصر إليها خلال الفترة المقبلة، موضحاً أن هناك بعض المسائل الفنية التي تحتاج إلى استكمال قبل اتخاذ الخطوة.
ويأتي ذلك في وقت تتباين فيه قراءات الخبراء لطبيعة الاتفاق وأهدافه.
وبينما تؤكد الدول الموقعة أنه لا يستهدف دولة بعينها، يرى بعض المحللين أن توقيت الإعلان عنه والظروف الإقليمية الراهنة قد يمنحانه أبعاداً تتجاوز التعاون الدفاعي، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.
ماذا يمكن أن تضيف مصر إلى الاتفاق؟
يرى الخبير العسكري السعودي العميد عبد الله آل شايع أن انضمام مصر إلى «اتفاقية مكة» سيكون خطوة استراتيجية مهمة، ليس فقط بالنسبة للدول الموقعة، وإنما لمنظومة الأمن والاستقرار الإقليمي بصورة عامة.
وأوضح أن القاهرة ليست بعيدة عن مسار التنسيق بين الدول الأربع، مشيراً إلى وجود قنوات تشاور تجمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان ضمن صيغة «R4»، التي عقد اجتماعها الوزاري الرابع في القاهرة خلال يونيو/حزيران 2026.
وبحسب آل شايع، فإن انضمام مصر يمكن أن يكون امتداداً طبيعياً لهذا التعاون، خاصة أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية وتركز، وفق ما أعلنته الدول المشاركة، على تعزيز التعاون الأمني والردع المشترك، من دون توجيهها رسمياً ضد طرف محدد.
كما أن مصر تمتلك مقومات عسكرية وسياسية وجغرافية تجعل مشاركتها ذات وزن كبير، باعتبارها إحدى الدول المحورية في منظومة الأمن العربي والإقليمي، فضلاً عن خبرتها الطويلة في التعامل مع أزمات المنطقة.
وأشار الخبير السعودي إلى أن المبادئ المعلنة للاتفاق تتوافق، من حيث المبدأ، مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما ما يتعلق بسيادة الدول والدفاع المشروع والحفاظ على الأمن والاستقرار وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
اتفاق لم يأتِ من فراغ
من جهته، يرى الخبير السعودي وجدي القليطي أن الاتفاقية بين السعودية وباكستان وتركيا ليست نتاج تحرك مفاجئ، وإنما جاءت نتيجة سنوات من التنسيق بين الرياض وإسلام آباد، تلاها تعاون أوسع مع أنقرة خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن التحولات الإيجابية التي شهدتها العلاقات المصرية التركية ساهمت في تهيئة الظروف أمام إمكانية انضمام القاهرة إلى هذا المسار، لافتاً إلى أن المسؤولين الأتراك سبق أن أكدوا أهمية الدور المصري في أي ترتيبات إقليمية واسعة.
ويعتقد القليطي أن عدم مشاركة مصر منذ لحظة توقيع الاتفاق يعود إلى بعض الترتيبات الفنية التي لم تستكمل بعد، متوقعاً أن تنضم القاهرة إلى الاتفاق في مرحلة لاحقة.
اختلاف الأولويات بين الدول
وبحسب القليطي، فإن لكل دولة من الدول الأربع أولويات أمنية مختلفة. ففي حين تتعامل السعودية وباكستان وتركيا مع مجموعة من التحديات الجيوسياسية المرتبطة بالتطورات الدولية والإقليمية الراهنة، تركز مصر بدرجة أكبر على ملفاتها الأمنية والاستراتيجية في القارة الأفريقية.
ويرى أن القاهرة قد تفضل التريث قبل الانضمام الرسمي للتأكد من أن أي التزام جديد يتوافق بصورة كاملة مع مصالحها القومية وأولوياتها الأمنية.
وأضاف أن وجود السعودية وتركيا وباكستان ومصر في إطار إقليمي واحد يمكن أن يمنح الدول الأربع ثقلاً كبيراً، ويعزز قدرة القوى الإقليمية على التعامل مع قضايا المنطقة بعيداً عن الاعتماد الكامل على الأطراف الخارجية.
القاهرة تفضل التهدئة والوساطة
في المقابل، يقدم السفير المصري السابق رخا أحمد حسن قراءة مختلفة لدوافع عدم انضمام القاهرة في الوقت الحالي.
وقال إن العلاقات بين مصر ودول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، ما زالت قوية وتشهد تنسيقاً مستمراً بهدف دعم التهدئة والاستقرار ووقف إطلاق النار.
لكنه يرى أن توقيت توقيع الاتفاقية قد يدفع إلى تفسيرها على أنها موجهة ضد طرف محدد، وهو ما قد لا ينسجم مع النهج المصري القائم على الدفع نحو التسويات السياسية ووقف التصعيد.
وأكد أن القاهرة تركز في المرحلة الحالية على جهود الوساطة والحوار، ولذلك قد تتجنب الانخراط في ترتيبات عسكرية يمكن أن تُفسر باعتبارها اصطفافاً في مواجهة طرف إقليمي معين.
وأشار إلى أن مصر كانت قد طرحت في السابق فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة، إلا أن المشروع لم يصل إلى مرحلة التنفيذ بسبب عدم التوافق بين الدول العربية بشأنه.
كما لفت إلى أن وجود تركيا العسكري في عدد من دول المنطقة، ومن بينها سورية، يمثل عاملاً إضافياً ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم طبيعة أي تحالف دفاعي إقليمي جديد.
هل تمثل الاتفاقية رسالة إلى الولايات المتحدة؟
ويذهب السفير رخا أحمد حسن إلى احتمال أن تحمل الاتفاقية رسالة سياسية تتجاوز حدود التعاون العسكري، إذ قد تُفهم باعتبارها مؤشراً على رغبة بعض دول المنطقة في تنويع خياراتها الأمنية وعدم الاعتماد على المظلة الأمريكية وحدها.
مع ذلك، يؤكد أن عدم مشاركة مصر في الاتفاقية حالياً لن يؤدي بالضرورة إلى تراجع العلاقات المصرية الخليجية، مشيراً إلى استمرار قنوات التنسيق والتعاون بين القاهرة وشركائها العرب.
تركيا: الباب مفتوح أمام مصر
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أكد أن مصر مرشحة للانضمام إلى الاتفاق خلال المرحلة المقبلة، واصفاً القاهرة بأنها «شريك طبيعي» لتركيا في العديد من الملفات.
وأوضح أن بعض المسائل الفنية ما زالت بحاجة إلى الإنجاز، لكنه شدد على عدم وجود ما يمنع من انضمام مصر مستقبلاً.
وبحسب فيدان، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرى أن الاتفاق لا ينبغي أن يبقى محصوراً بالدول الثلاث، بل يمكن أن يتوسع ليشمل دولاً أخرى في المنطقة.
كما أشار إلى أن دولاً أخرى أبدت اهتماماً بالانضمام، مؤكداً أن الهدف المعلن يتمثل في تعزيز دور دول المنطقة في إدارة شؤونها وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، نفى فيدان أن يكون الاتفاق موجهاً لإرسال رسالة إلى القوى الخارجية، مؤكداً أن الغاية الأساسية، وفق الرؤية التركية، هي دعم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وأشار كذلك إلى أن الاتفاق لا يتعارض مع التزامات تركيا في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، مستشهداً بوجود اتفاقيات دفاعية مماثلة أبرمتها الولايات المتحدة مع دول ليست أعضاء في الحلف.
وبذلك، تبدو مشاركة مصر في «اتفاقية مكة» مسألة مؤجلة أكثر منها مستبعدة، في ظل استمرار التنسيق السياسي بين الدول الأربع، بانتظار استكمال الترتيبات الفنية ومعرفة مدى توافق الصيغة الدفاعية الجديدة مع الحسابات الأمنية والسياسية للقاهرة.
سبوتنيك عربي



