تفاهم جديد حول القواعد الروسية: موسكو باقية… تحت غطاء «الشراكة»

في محاولة لتغيير صيغة الوجود الروسي في سورية، وعلى وقع الضغوط الأميركية والأوروبية المستمرّة، أعلنت وزارة الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية عن تفاهم جديد مع موسكو، تمّ بموجبه تحويل القواعد العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة.
كما تمّت، بمقتضى التفاهم نفسه، استعادة المنشآت ذات الطابع المدني التي كانت تسيطر عليها روسيا في الساحل السوري، بما فيها مطار حميميم في ريف اللاذقية، والرصيف رقم 4 في ميناء طرطوس. واعتبرت «الخارجية»، الاتفاقية التي جاءت بعد عام ونصف العام من المباحثات، «الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات»، مشيرة إلى أنها ستسهم في بناء مرحلة مختلفة من العلاقات بين البلدَين.
وعقب الإعلان عن الاتفاقية، ذكرت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» أن الجانب السوري تسلّم المواقع التجارية التي كانت تشغلها روسيا ضمن مرفأ طرطوس، بما في ذلك الرصيف رقم 4 والمستودعات والمنشآت التابعة له.
أيضاً، أعلنت «الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي» أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أجرى زيارة برفقة «رئيس هيئة الطيران»، عمر الحصري، إلى مطار «اللاذقية الدولي». وأضافت أن الزيارة جاءت عقب توقيع مذكّرة التفاهم التي مهّدت لعودة إدارة المطار إلى الجانب السوري، وتخلّلها الاطّلاع على واقع المنشأة ومرافقها ومتابعة جاهزيتها.
وفي وقت لا تزال فيه بنود عديدة في مذكّرة التفاهم غامضة وغير معلنة، تُثار التساؤلات حول مصير ما تضمّنته الاتفاقيات التي وقّعها الرئيس السابق، بشار الأسد، مع روسيا – بشأن منح الأخيرة قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، لمدّة 49 عاماً قابلة للتمديد 25 عاماً إضافياً (بموجب اتفاقيتَي عامَي 2015 و2017)- من بنود، شملت إعفاءات ضريبية وجمركية، وحصانات قضائية للمنشآت والأفراد والممتلكات، وتسهيلات لإدخال السلاح والمعدات وحركة العسكريين والسفن، إلى جانب خدمات وتسهيلات تشغيلية على نفقة الجانب السوري أو بتوفير منه.
يُعتبر التفاهم جزءاً من محاولة إيجاد صيغة مقبولة غربياً للوجود الروسي
وفي وقت يُعدّ فيه هذا التفاهم الجديد الاختبار القانوني والتعاقدي الأكبر بين السلطات الانتقالية في سورية وروسيا، فهو يُعتبر جزءاً من محاولة إيجاد صيغة مقبولة غربياً للوجود الروسي، خصوصاً أن الولايات المتحدة، وفي موازنتها الدفاعية لعام 2027، حدّدت بشكل صريح هذا الوجود باعتباره قد يؤثّر على المصالح الأميركية، وطلبت إعداد تقارير حول حجمه.
وتَرافق ذلك مع الضغوط المستمرة على الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، للحدّ من نفوذ موسكو وتخفيض الاعتماد عليها في استيراد النفط، الأمر الذي ذكرت وكالة «رويترز» أن الشرع وافق عليه فعلاً، في مقابل رفع سورية من قائمة «الدول الراعية للإرهاب».
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعلن، في تموز الماضي، بدء إجراءات رفع سورية من تلك القائمة، وهو ما يتطلّب مراجعة في الكونغرس الأميركي لمدّة 45 يوماً.
وبالعودة إلى التفاهم السوري – الروسي الجديد، فهو جاء أيضاً بعد تضارب في التصريحات بين دمشق وموسكو حول دور القواعد الروسية في سورية؛ فبينما ذكر الشرع أن هذه القواعد ستساعد في تدريب الجيش السوري الجديد، ذكرت موسكو، أكثر من مرّة، أن لهذه القواعد دوراً إنسانياً في نقل المساعدات نحو أفريقيا.
كذلك، يأتي الإعلان عن هذا التفاهم بعد نحو شهر من نشر «رويترز» تحقيقاً ذكرت فيه أن روسيا تعمل على تجهيز مركز لوجستي تجاري في أحد الرصيفَين التابعَين للقاعدة البحرية التي تستأجرها في ميناء طرطوس، مع الحفاظ على وجود عسكري في الرصيف الآخر.
ونقلت الوكالة عن أحد المسؤولين أن المركز سيتولّى مناولة مجموعة واسعة من البضائع الروسية، بما فيها القمح والحبوب، ويستهدف حجم شحنات أولياً يبلغ نحو 250 ألف طن شهرياً، الأمر الذي نفته السلطات الانتقالية في وقت لاحق.
وبعيداً عن التفاصيل الإجرائية والتقنية والقانونية، سيكون من شأن التفاهم الجديد ترسيخ الوجود العسكري الروسي، ولكن عبر مسمّيات أخرى تنقله من دائرة النفوذ إلى دائرة «الشراكة».
ويبدو أن هذا المصطلح الأخير ستستعمله السلطات الانتقالية كثيراً لتبرير استمرار نفوذ موسكو على الأراضي السورية، خصوصاً أنها أكدت، منذ صعودها، استمرار العلاقة مع روسيا، التي زارها الشرع، حتى الآن، مرّتَين، التقى خلالهما الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.
الأخبار


