نواة الجيش الجديد.. كيف يُعاد بناء هرم القيادة العسكرية في سورية؟

تمر المؤسسة العسكرية السورية منذ سقوط النظام السابق بعملية إعادة تنظيم واسعة، بدأت بضم عشرات التشكيلات المسلحة إلى وزارة الدفاع، ثم انتقلت تدريجياً إلى بناء هيكلية أكثر مركزية شملت التجنيد وتقييم الضباط وإعادة توزيع القيادات، وصولاً إلى مشروع تشكيل خمسة فيالق عسكرية.
وتعكس هذه الخطوات محاولة للانتقال من واقع عسكري تشكل خلال سنوات الثورة والحرب إلى مؤسسة عسكرية موحدة، إلا أن فهم المرحلة الحالية يتطلب التوقف عند تجربة سابقة في إدلب شكلت، إلى حد كبير، نموذجاً مبكراً لإعادة تنظيم الفصائل.
تجربة إدلب.. من غرف العمليات إلى التشكيلات الموحدة
بعد المعارك التي انتهت عام 2019 بخسارة فصائل المعارضة مساحات واسعة من شمال غربي سورية، ثم تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بين تركيا وروسيا في آذار 2020، بدأت هيئة تحرير الشام إعادة ترتيب المشهد العسكري في إدلب.
وكانت غرف العمليات في السنوات السابقة تمثل الوسيلة الأساسية لتنسيق العمل بين الفصائل، لكن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار شهدت توجهاً نحو إنشاء تشكيلات أكثر ثباتاً وربطها بقيادة مركزية.
وفي تلك المرحلة تشكلت أربعة جيوش حملت أسماء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وضمت في مجموعها 12 لواءً توزعت مهامها بين المشاة والمدرعات والمدفعية والقوات النوعية والخدمات اللوجستية.
لكن عملية الدمج لم تقتصر على تغيير أسماء التشكيلات، بل شملت إخضاع مقاتلين من خلفيات فصائلية مختلفة لدورات تدريبية مشتركة ومناهج عسكرية وتنظيمية موحدة.
ومع مرور الوقت، تطورت التجربة من نموذج غرف العمليات إلى هيكل أقرب إلى وزارة دفاع مصغرة، تدير التشكيلات وتعيد توزيعها، وصولاً إلى تشكيل إدارة العمليات العسكرية التي قادت لاحقاً معركة “ردع العدوان”.
بعد سقوط النظام.. دمج نحو 130 تشكيلاً عسكرياً
مع سقوط النظام نهاية عام 2024، واجهت وزارة الدفاع السورية الجديدة تحدياً أكثر تعقيداً، تمثل في التعامل مع عدد كبير من التشكيلات التي نشأت خلال سنوات الحرب.
وبحسب معطيات عملية الدمج، دخل نحو 130 تشكيلاً عسكرياً في مسار إعادة التنظيم تحت مظلة وزارة الدفاع، بدلاً من حلها بصورة مفاجئة.
واتجهت السلطات إلى دمج هذه القوى بصورة تدريجية، حيث مُنح قادة التشكيلات رتباً عسكرية، وأعيد تنظيم القوات التابعة لهم ضمن فرق عسكرية، مع تحديد مناطق انتشار ومسؤوليات لكل تشكيل.
وفي مرحلة لاحقة، تشكلت القوات البرية من 22 فرقة عسكرية، إلى جانب القوات الجوية والبحرية، وتوزعت الفرق على عدد من المحافظات.
وحظيت حلب وريف دمشق بالعدد الأكبر من التشكيلات، إلى جانب انتشار فرق في إدلب وحماة وحمص ودرعا واللاذقية وطرطوس ودير الزور ومناطق أخرى.
وكانت الأولوية في هذه المرحلة تثبيت الانتشار العسكري وتحديد المسؤوليات الجغرافية، أكثر من الوصول مباشرة إلى دمج كامل لكل التشكيلات ذات الخلفيات المختلفة.
بناء الجيش من الداخل
بعد مرور نحو ستة أشهر على سقوط النظام، بدأت وزارة الدفاع افتتاح مراكز وشعب للتجنيد في المحافظات، في خطوة نقلت عملية رفد المؤسسة العسكرية من الاعتماد على التشكيلات القائمة إلى بناء قوة بشرية تحت إشراف الوزارة نفسها.
وفي آذار 2026، أعلنت الوزارة بدء عملية تقييم شاملة للضباط العاملين في المؤسسة العسكرية، بهدف بناء هيكل يعتمد بصورة أكبر على الكفاءة والخبرة المهنية.
وترافقت هذه الخطوة مع برامج تدريب وتأهيل، وإعادة توزيع عدد من المسؤوليات القيادية والإدارية بما يتناسب مع طبيعة الجيش النظامي الذي يقوم على التسلسل القيادي والانضباط والتخصص.
الانتقال من المناطق العسكرية إلى الفيالق
لم تتوقف عملية إعادة التنظيم عند تشكيل المناطق العسكرية، إذ بدأت لاحقاً ملامح مشروع جديد يقوم على تقسيم الجيش إلى خمسة فيالق، يرتبط بكل منها عدد من الفرق ضمن نطاق جغرافي محدد.
وبحسب المعلومات المتداولة حول الهيكلية المقترحة، يتوزع الجيش على النحو الآتي:
الفيلق الأول: المنطقة الشرقية، ويضم الفرق 42 و66 و72 و86.
الفيلق الثاني: المنطقة الشمالية، ويضم الفرق 60 و62 و76 و80.
الفيلق الثالث: المنطقة الوسطى، ويضم الفرق 40 و52 و54 و82.
الفيلق الرابع: دمشق وريفها، ويضم الفرق 44 و64 و70.
الفيلق الخامس: المنطقة الغربية والساحل، ويضم الفرق 50 و56 و74 و84.
ويعني هذا الترتيب الانتقال من نموذج يعتمد بصورة أساسية على الفرق المنتشرة في المحافظات إلى هيكل عملياتي أكبر، تتولى فيه قيادة كل فيلق الإشراف على مجموعة من الفرق ضمن قطاع جغرافي واسع.
إعادة ترتيب هرم القيادة
لا تتعلق عملية إنشاء الفيالق بإعادة توزيع الوحدات العسكرية فقط، بل تشمل أيضاً إعادة تشكيل هرم القيادة داخل المؤسسة العسكرية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عدداً من الأسماء المرشحة لقيادة الفيالق الخمسة ينحدر من الدائرة العسكرية التي تشكلت داخل هيئة تحرير الشام، ومن أبرزها أحمد الجاسم، وعواد الجاسم، وهيثم العلي، وعمر جفتشي، ومنير الشيخ.
وفي المقابل، شهدت الأشهر الأخيرة نقل عدد من القيادات التي كانت مرتبطة بتشكيلات أخرى إلى مواقع جديدة ضمن الهيكل العسكري الجاري بناؤه، ومن بين الأسماء التي طرأت عليها تغييرات أحمد الهايس، ومحمد الجاسم، وسيف الدين بولاد.
ولا تكفي هذه التغييرات وحدها للحكم على الشكل النهائي للجيش السوري، لكنها تشير إلى أن عملية إعادة الهيكلة تتجاوز مجرد دمج المقاتلين، لتشمل أيضاً إعادة صياغة القيادة العسكرية وآليات توزيع النفوذ والمسؤوليات.
مرحلة انتقالية طويلة
عند جمع مراحل إعادة بناء الجيش السوري، بدءاً من استيعاب نحو 130 تشكيلاً عسكرياً، مروراً بتشكيل 22 فرقة، وإطلاق مراكز التجنيد وتقييم الضباط، ثم إنشاء قيادات المناطق، وصولاً إلى مشروع الفيالق الخمسة، تبدو العملية أقرب إلى مسار متدرج ومترابط من كونها مجموعة قرارات منفصلة.
ويبقى السؤال الأساسي حول ما إذا كانت الفيالق الخمسة ستشكل الهيكل النهائي للجيش أم أنها مجرد مرحلة إضافية ضمن عملية إعادة بناء أطول.
كما تبرز مسألة قدرة عملية الدمج على إنتاج هوية عسكرية موحدة تتجاوز الانتماءات الفصائلية السابقة، خصوصاً أن المؤسسة الجديدة تضم مقاتلين وقادة قدموا من تجارب عسكرية مختلفة.
وتبقى التعيينات وإعادة توزيع القيادات مؤشراً مهماً على ملامح الجيش المستقبلي، إلا أن الحكم النهائي على نجاح عملية إعادة البناء لن يرتبط بالهيكل التنظيمي وحده، بل بمدى قدرة هذه التشكيلات على العمل كمؤسسة عسكرية واحدة ومستقرة خلال السنوات المقبلة.
تلفزيون سوريا



