في تحول تاريخي: أميركا تتدخل لإنقاذ الين الياباني

في تطور لافت يعكس تعقيد العلاقات المالية الدولية، لم يكن التحرك الأميركي الأخير لدعم العملة اليابانية مجرد إجراء عابر، بل تجسيداً لتداخل المصالح بين أكبر اقتصادين في العالم. فما هي خلفيات هذا التدخل؟ وما دلالاته المستقبلية؟
خلفية التدخل المشترك وتفاصيل العملية
مع تراجع الين إلى أدنى مستوياته أمام الدولار منذ أربعة عقود، بادرت كل من وزارة الخزانة الأميركية والسلطات اليابانية إلى تنسيق عملية واسعة لشراء العملة اليابانية، وهي الخطوة الأولى من نوعها منذ حوالي ثلاثين عاماً.
وجاء هذا التحرك بعد اطلاع وزير الخزانة سكوت بيسنت على مذكرة أوصت بضخ سيولة تتراوح بين 5 و10 مليارات دولار عبر بيع جزء من الاحتياطيات المقومة باليورو لشراء الين. وأكد بيسنت أن الهدف هو مواجهة “التحركات غير المنظمة” في أسواق الصرف، مع استعداد واشنطن للمشاركة في تدخلات إضافية عند الحاجة.
المصالح الأميركية خلف دعم الين
حماية سوق السندات من موجات البيع
على الرغم من أن الخطوة بدت في ظاهرها دعماً للحليف الاستراتيجي، إلا أن دوافعها العميقة ترتبط بمصالح واشنطن بشكل أكبر. فاليابان، بصفتها أكبر حائز أجنبي للسندات الأميركية بحيازات تفوق 1.1 تريليون دولار، تضطر عادة إلى بيع جزء من هذه السندات عند تدخلها لدعم عملتها، مما يثير قلق الإدارة الأميركية.
تجنب ارتفاع تكاليف الاقتراض
فأي موجة بيع كبيرة للسندات قد تؤدي إلى ارتفاع عوائدها، ما يرفع كلفة اقتراض الحكومة الأميركية في وقت يقترب فيه الدين العام من 40 تريليون دولار، بينما سجل العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً أعلى مستوياته منذ 19 عاماً.
وبمشاركة الولايات المتحدة في دعم الين، تنخفض حاجة طوكيو إلى تمويل تدخلاتها عبر بيع السندات الأميركية، مما يساهم في احتواء الضغوط على سوق الدين وخفض احتمالات ارتفاع تكاليف خدمة الدين مستقبلاً.
أسباب استمرار ضعف الين الياباني
تتعرض العملة اليابانية لضغوط مستمرة نتيجة عدة عوامل هيكلية:
- فجوة أسعار الفائدة: استمرار التباين الكبير بين السياسات النقدية في اليابان والولايات المتحدة.
- التحديات الديموغرافية: شيخوخة السكان وتأثيرها على النمو الاقتصادي.
- ارتفاع فاتورة الواردات: مع زيادة أسعار الطاقة والسلع عالمياً، مما يرفع التضخم الداخلي.
- عبء الديون: تواجه الحكومة أعلى نسبة دين عام بين دول مجموعة السبع، تتجاوز 200% من الناتج المحلي الإجمالي.
ومنذ عام 2022، تدخلت طوكيو ست مرات دعماً لعملتها بإجمالي إنفاق يقارب 250 مليار دولار، مما أسهم في رفع قيمة الين موقتاً من 163 ينّاً إلى نحو 157 ينّاً للدولار، لكن العملة ما تزال بعيدة عن مستوياتها السابقة، مما يعكس استمرار العوامل الهيكلية الضاغطة.
رسالة الأسواق وتأثير التدخل المشترك
يرى المحللون أن التدخل الأميركي – الياباني المشترك يحمل دلالات أكبر من التدخلات اليابانية المنفردة، لأنه يبعث برسالة قوية بأن أكبر اقتصادين في العالم لن يسمحا بانهيار غير منظم للين، مما يزيد كلفة المضاربة على استمرار هبوطه.
ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن هذا الدعم سيظل محدود الأثر ما لم يترافق مع تغيرات أعمق في السياسة النقدية اليابانية، أو انخفاض ملموس في العوائد الأميركية، أو تحسن قدرة الاقتصاد الياباني على جذب رؤوس الأموال. وهذه العوامل تبقى صاحبة التأثير الأكبر على مسار العملة في المدى المتوسط والطويل.
آراء الخبراء: التدخل يشتري الوقت ولا يحل الأزمة
يرى رائد الخضر، رئيس قسم الأبحاث في “إيكويتي غروب” بلندن، أن أهمية التدخل الأخير لا تكمن فقط في حجم الأموال التي ضخت، بل في مشاركة الولايات المتحدة نفسها، وهو ما غير حسابات المستثمرين ورفع كلفة المراهنة على مزيد من هبوط الين. وأوضح أن التدخل نجح في وقف التراجع غير المنظم وإبعاد العملة موقتاً من أدنى مستوياتها، لكنه لا يستطيع وحده معالجة الفجوة الكبيرة بين العوائد الأميركية واليابانية.
من جانبه، أشار أحمد نجم، رئيس قسم الأبحاث في مجموعة “أكس أس” العالمية، إلى أن مشاركة واشنطن تعكس الترابط الوثيق بين سوق العملات وسوق الدين السيادي، فضعف الين قد يدفع المستثمرين اليابانيين إلى إعادة توزيع محافظهم، مما ينعكس على الطلب العالمي على سندات الخزانة الأميركية.
وفي السياق نفسه، أوضح محمود عطا، المستشار المالي، أن آلية “فيما” الخاصة بالاحتياط الفيدرالي تمنح البنوك المركزية الأجنبية إمكان الحصول على سيولة بالدولار مقابل رهن السندات الأميركية، بدلاً من بيعها مباشرة، مما يقلل الضغوط المفاجئة على سوق السندات، لكنه لا يمنع عودة رؤوس الأموال اليابانية للداخل إذا أصبحت العوائد المحلية أكثر جاذبية.
نجاح مشروط بتغيير السياسات
تتفق غالبية التقديرات الدولية على أن التدخل المشترك منح الأسواق فترة من الهدوء وأرسل رسالة واضحة للمضاربين، لكن استطلاعات خبراء الصرف ما زالت ترجح استمرار قوة الدولار خلال الأجل القريب، ما لم يواصل بنك اليابان تشديد سياسته النقدية أو تتراجع فجوة العوائد بين البلدين.
لقد اشترت واشنطن الين لأنها رأت أن كلفة التدخل المبكر أقل من كلفة انتقال الاضطرابات من سوق العملات إلى سوق السندات. فالتحرّك خدم اليابان عبر الحد من الضغوط على عملتها، وفي الوقت نفسه خدم الولايات المتحدة من خلال تقليل احتمالات بيع كميات إضافية من سندات الخزانة، مما يساعد في احتواء تكاليف الاقتراض الحكومي.
ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الخطوة مرهوناً بقدرة طوكيو على معالجة الأسباب الهيكلية لضعف الين، وبقدرة واشنطن على احتواء العجز المالي وضبط مسار الدين العام، لأن التدخل في سوق الصرف وحده لا يكفي لتغيير الاتجاهات الاقتصادية الأساسية.
اندبندنت عربية



