الاخبار

اختطاف طوني دانيال بسبب انتقاده الفساد.. إدانات حقوقية تطال الحكومة الانتقالية

أثار توقيف الناشط السياسي طوني دانيال في اللاذقية، بعد انتقاده العلني للفساد داخل نقابة المهندسين، موجة من الانتقادات واسعة النطاق. ويتهم حقوقيون وناشطون الحكومة السورية الانتقالية بمواصلة ممارسات تقييد الحريات، واستخدام أدوات قانونية ورثتها عن النظام السابق لإسكات الأصوات المنتقدة، في وقت تتعهد فيه دمشق ببناء دولة القانون وحماية الحريات العامة .

تفاصيل الاعتقال وتداعياته
اعتقال دون استدعاء قضائي
أوقف دانيال أمام مبنى نقابة المهندسين في اللاذقية، حيث اقتادته سيارة “فان” بيضاء دون تبليغ أو استدعاء قضائي مسبق . وجاء التوقيف بعد مشاركته في برنامج “صالون الجمهورية” مع الإعلامي أحمد فاخوري، حيث وجّه انتقادات مباشرة لما وصفه بالفساد الإداري والمالي داخل النقابة وأداء مسؤولين محليين في المحافظة .

تفاعل واسع واتهامات بالخطف
أثارت طريقة توقيفه استياءً واسعاً بين ناشطين ومحامين وحقوقيين، اعتبروا أن ما جرى يمثل اعتقالاً تعسفياً يتعارض مع أبسط الضمانات القانونية . ووصف مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، الحادثة بأنها “اعتقال بطريقة الخطف” عبر سيارة مدنية ومن دون أمر قضائي أو إشعار مسبق .

إشكالية استخدام قوانين النظام السابق
قانون الجرائم الإلكترونية بين القديم والجديد
أشارت مصادر إلى أن التوقيف جاء بموجب قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد نظام بشار الأسد عام 2022، بناءً على شكوى شخصية قد تكون من شخصيات في نقابة المهندسين . ويُعدّ هذا القانون من أبرز التشريعات التي واجهت انتقادات حقوقية واسعة، حيث اعتبرته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أنه “كرس قمع حرية الرأي وتسبب في عشرات حالات الاعتقال التعسفي” زمن النظام المخلوع .

تعارض مع توجيهات وزارة العدل
أثار اعتقال دانيال تساؤلات حول مدى التزام السلطات بتعميم وزارة العدل رقم 26 الصادر في 29 حزيران 2026، والذي شدد على عدم اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي إلا في حالات استثنائية ووفق قرار خطي من النيابة العامة . واعتبر المحامي ميشال شماس أن حالة دانيال تمثل مخالفة واضحة للتعميم، إذا كان توقيفه قد تم بناءً على شكوى شخصية ومن دون وجود جرم يستوجب تحقيقاً فنياً أو رقمياً .

تزايد المخاوف من تراجع الحريات
سلسلة اعتقالات تثير القلق
يأتي اعتقال دانيال بعد أيام من توقيف عدد من الناشطين والفاعلين، بينهم مازن العرجا والدكتور حسين علي الحميد وحسان عقاد . ويرى حقوقيون أن هذه الاعتقالات تعكس اتجاهاً مقلقاً نحو إعادة توظيف قوانين وتهم استخدمت سابقاً لتجريم المعارضين .

إشارة إلى حالات مماثلة
أشار ناشطون إلى حالة الطبيب حسين علي الحميد، الذي اعتُقل لدى دخوله الأراضي السورية بتهمة “النيل من هيبة الدولة”، وهي تهمة استخدمها النظام السابق لعقود ضد المعارضين. واعتبروا أن إعادة اللجوء إلى هذه التهمة يتناقض مع الوعود الرسمية بحماية حرية التعبير ويُضعف الثقة بجدوى البرامج الحوارية التي تطرح قضايا الفساد .

انتقادات من مهنيين وحقوقيين
اعتبرت المهندسة المعمارية نهيل زربا أن قانون الجرائم الإلكترونية “صُمم في الحقبة الأسدية لمحاربة الأحرار”، مطالبة بإلغائه أو تعديله جذرياً، ومؤكدة أن استخدامه لمعاقبة المنتقدين يحوله إلى “سيف مسلط على رقاب السوريين” بدلاً من أن يكون أداة لحماية الأفراد من التشهير والإساءة .

جهود الإصلاح التشريعي بين الوعد والتطبيق
التزام حكومي بإعادة النظر في القوانين
في 22 حزيران 2026، أعلنت وزارة العدل السورية عن تشكيل لجان قانونية وفنية لإعادة دراسة عدد من القوانين، بينها قانون الجرائم الإلكترونية، وذلك بعد الجدل الذي أثاره توقيف ناشط آخر بموجب القانون ذاته . وأكدت الوزارة أن الدراسة تجري بمشاركة وزارات الإعلام والداخلية والاتصالات، بهدف “الوصول إلى صياغة قانونية متوازنة تكفل حماية الحقوق والحريات، وتعزز سيادة القانون” .

فجوة بين التعهدات والإجراءات
رغم هذه التعهدات، يشير اعتقال دانيال إلى استمرار الفجوة بين النوايا الإصلاحية والتطبيق العملي على الأرض. فالإعلان الدستوري السوري، الذي أقرته السلطات الانتقالية في آذار 2025، نص على إلغاء القوانين الاستثنائية مع استمرار العمل بالتشريعات النافذة إلى حين تعديلها أو إلغائها. لكن هذا الشرط يثير تساؤلات حول مدى سرعة وفعالية عملية الإصلاح، خاصة مع استمرار توظيف هذه القوانين ضد المنتقدين . ويثير هذا التضارب مخاوف من أن الحكومة الانتقالية قد لا تملك الإرادة الكافية لتنفيذ إصلاحات جوهرية، لا سيما في ظل استمرار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش، التي وثقت حالات اعتقالات تعسفية وتراجع في الحريات في تقريرها عن سوريا لعام 2026 .

يمثل اعتقال طوني دانيال اختباراً حقيقياً لمدى التزام الحكومة السورية الانتقالية بوعودها الإصلاحية في مجال الحريات العامة. ورغم الإعلان عن مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية، فإن استمرار استخدام هذا القانون وغيره من أدوات النظام السابق ضد المنتقدين يُضعف ثقة السوريين بجدية مسار الإصلاح. وتظل الأنظار متجهة نحو قدرة السلطات على ترجمة التزاماتها إلى إجراءات ملموسة، تضمن الفصل بين النقد المشروع والتجريم، وتُرسي دعائم دولة القانون التي طالما نادى بها السوريون.

الحل نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى