خفض واردات النفط الروسي.. هل يعكس تحولًا في تموضع سوريا أم تصعيدًا للضغوط الأمريكية؟

أعاد التقرير الذي نشرته وكالة رويترز، نقلًا عن مصادر مطلعة، بشأن إبلاغ سوريا الولايات المتحدة استعدادها لخفض وارداتها من النفط الروسي بشكل كبير، الجدل حول مستقبل العلاقات السورية مع كل من موسكو وواشنطن، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، ومساعي القوى الكبرى لإعادة رسم موازين النفوذ في الشرق الأوسط.
وبحسب التقرير، فإن دمشق أبدت استعدادًا لتقليص اعتمادها على النفط الروسي في إطار حوارها مع الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على وجود محاولات لإعادة صياغة العلاقة بين الجانبين، وفتح صفحة جديدة قد تكون لها انعكاسات سياسية واقتصادية وأمنية على مستقبل سوريا.
ويرى المحلل السياسي محمد عبد الكريم أن هذا التطور لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد قضية تتعلق بإمدادات الطاقة، بل باعتباره جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى تعزيز نفوذ واشنطن في سوريا والمنطقة، وتقليص مساحة التأثير الروسي التي ترسخت خلال السنوات الماضية.
ويقول المحلل إن الولايات المتحدة تعمل بصورة متدرجة على تفكيك شبكة العلاقات التي بنتها روسيا مع دمشق، مستفيدة من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها سوريا، ومن حاجة الحكومة السورية إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمر بها. ويرى أن تشجيع دمشق على التخلي عن النفط الروسي يمثل إحدى الأدوات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، باعتبار أن قطاع الطاقة يعد أحد أبرز مجالات التعاون بين البلدين.
ولا يقتصر هذا المسار، وفقًا لعبد الكريم، على روسيا وحدها، بل يمتد أيضًا إلى إعادة ترتيب أدوار القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا. ويعتقد أن الولايات المتحدة تسعى إلى إظهار أن أنقرة ليست الطرف الأكثر تأثيرًا في الملف السوري، وأن تحركاتها تظل محكومة بالسقف السياسي والأمني الذي ترسمه واشنطن، الأمر الذي يحد من هامش المناورة التركي ويعزز الحضور الأمريكي بوصفه الطرف القادر على إدارة التوازنات داخل سوريا.
ويتابع المحلل السياسي أن هذه السياسة، إذا استمرت، قد تؤدي إلى جعل دمشق أكثر ارتباطًا بالقرار الأمريكي، سواء في الملفات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية، وهو ما قد ينعكس على استقلالية القرار السوري في المستقبل.
وبحسب هذا التقدير، فإن إضعاف الشراكة السورية – التركية والسورية – الروسية، إلى جانب تقليص الوجود العسكري الروسي داخل الأراضي السورية، قد يجعل سوريا أقل قدرة على مواجهة التحديات الأمنية والإقليمية، ولا سيما في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية واحتلالها أجزاء من الجنوب. ويعتبر عبد الكريم أن هذا السيناريو قد يحد تدريجيًا من قدرة دمشق على الدفاع عن نفسها، ويؤثر في مستوى سيادتها على قراراتها الاستراتيجية والعسكرية، ويجعل دمشق، أكثر ارتباطًا بالسياسات الأمريكية والإسرائيلية، بما يخدم أولويات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وهو تقييم يتشاركه العديد من المراقبين.
غير أن قراءة التحركات الأميركية في الملف السوري تظل ناقصة إذا لم توضع في سياقها الإقليمي الأوسع، إذ لا تسعى واشنطن إلى فرض سيطرتها على دمشق وحدها، بل إن إدارتها الحالية، وفي إطار حربها على إيران، تعمل على إعادة تشكيل خريطة النفوذ في كامل منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، تبرز دول الخليج العربي كهدف أساسي ومحوري في هذه الاستراتيجية، حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى تعزيز قبضتها الأمنية والعسكرية على الخليج، وزيادة نفوذها الاقتصادي والسياسي فيه، عبر تكثيف وجودها العسكري، وربط أنظمة الدفاع الخليجية بالمنظومة الأميركية، والضغط على سياسات الطاقة والتسليح بما يخدم أجندتها من خلال الحرب وإغلاق مضيق هرمز، وارباك الاقتصاد الخليجي. وبذلك، فإن محاولة تفكيك العلاقة السورية – الروسية وتقليص واردات النفط من موسكو ليست غاية في حد ذاتها، بل حلقة أولية ضمن مخطط أميركي أوسع لا يسمح بالشراكة بل يفضل الهيمنة والتحكم بمفاصل القرار الإقليمي.
وفي السياق تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصدر مرسوماً بتعيين الدبلوماسي المخضرم دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً لروسيا لدى سوريا، خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف، الذي أعفي أيضاً من مهامه كممثل خاص للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع سوريا.
ويأتي هذا التعيين، الذي يشغل دوغادكين خلاله السلك الدبلوماسي منذ عام 1990، في توقيت دقيق يعكس رغبة الكرملين في ضخ دماء جديدة لإدارة الملف السوري، ومواجهة المحاولات الأميركية لتفكيك الشراكات السورية – الروسية، وإرسال رسالة مفادها أن موسكو، رغم الضغوط الاقتصادية وحصار النفوذ، ماضية في تعزيز وجودها الدبلوماسي والعسكري.


