مفتي حلب يوضح حقيقة فتوى جواز تقديم الهدايا للموظفين .. هدية أم رشوة؟

أثارت فتوى صادرة عن مفتي حلب، إبراهيم شاشو، حول جواز تقديم الهدايا للموظفين بعد إتمام المعاملات الرسمية، موجة من الجدل الواسع على منصات التواصل الاجتماعي، مما دفع المفتي إلى إصدار بيان توضيحي يؤكد فيه أن فتواه كانت محصورة بحالة نادرة جداً، وهي خروج الموظف من منصبه تماماً، وليس مجرد انتهاء المعاملة.
جاء ذلك بعد أن فهم البعض من كلام المفتي أنه يبيح تقديم الهدايا للموظفين بمجرد انتهاء المعاملة، وهو ما اعتبره النقاد تحليلاً مقنعاً للرشوة تحت مسمى الهدية، مما استدعى تدخلاً عاجلاً من “شاشو” لضبط التفسيرات وإزالة اللبس عن فتواه.
تفاصيل الفتوى الأصلية وما أثارته من جدل
كان المفتي شاشو قد تحدث في برنامجه الأسبوعي “درهم ودينار” عن حكم تقديم الهدية للموظف أو المسؤول بعد انتهاء العمل وزوال المصلحة، حيث أفتى بجواز ذلك، لكنه اشترط ضوابط دقيقة، أبرزها أن تكون الهدية بعد انتهاء العلاقة الوظيفية بالكامل، وألا يكون هناك أي عرف أو توقع من المُهدي، وأن تكون مجرد تقدير شخصي من صاحب المعاملة للموظف الذي أدى واجبه على أكمل وجه.
غير أن هذه الضوابط لم تمنع من إثارة الجدل، حيث رأى البعض أن الفتوى تفتح الباب أمام التلاعب بمفهوم الرشوة، وتسوغ للموظفين قبول هدايا من المواطنين بعد كل معاملة، بحجة انتهاء المصلحة، وطالب النقاد بتوضيح أكثر دقة يمنع أي التباس.
البيان التوضيحي: “قصدت زوال الوظيفة لا انتهاء المعاملة”
في بيانه التوضيحي، أكد المفتي شاشو أن الأصل في الهدية للموظف هو الحرمة، إهداءً وقبولاً، واصفاً إياها بأنها “الرشوة المحرمة التي تسمى بغير اسمها”. وأوضح أنه عند حديثه عن الجواز، كان يشترط شرطاً جوهرياً هو “زوال المصلحة بالكلية”، وهو ما عنى به ترك الموظف لموقعه الوظيفي تماماً، وليس مجرد انتهاء معاملة بعينها.
وقال البيان: “ضبط الفتوى بضوابط عدة قد لا يلتزم بها البعض، وقد لا يفهمها آخرون على وجهها الصحيح، ومن أهم هذه الضوابط زوال وظيفة الموظف أو ولايته أو مسؤوليته، وألا تكون هناك عادة من المُهدي، وهي حالة نادرة جداً لا تعمّم”.
وأضاف المفتي أنه مع ندرة هذه الحالة، كان عدم ذكرها أولى، “لئلا يتذرع بها ضعاف النفوس” على حد تعبيره، في إشارة واضحة إلى أن الفتوى كانت مقصودة لحالات استثنائية لا يمكن القياس عليها في الحياة اليومية.
نقد ذاتي وتأكيد على حرمة الهدية في الأصل
وفي مقطع آخر من البرنامج، قدم المفتي شاشو توضيحاً إضافياً، حيث أكد أن الهدية للموظف محرمة في الأصل، لأنها لم تأته إلا بسبب موقعه الوظيفي، ولو كان في بيته لما تلقاها. وهذا المقطع عزز الفهم بأن الفتوى كانت محدودة بحالة انتهاء الوظيفة بشكل كامل، وهو ما يزيل أي التباس حول جواز تقديم الهدايا للموظفين العاملين.
وأوضح المفتي أن تصوره للهدية الجائزة هو أن يرى المُهدي أن الموظف قام بدوره وأدى له حقه على أتم وجه، فأراد أن يكرمه لقيامه بواجبه دون أن يقصد بذلك هدفاً آخر، لكنه شدد على أن هذا لا يحدث إلا بعد زوال صفة الموظف، وألا يكون هناك أي تلميح من الموظف أو وعد من المُهدي.
ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض
قوبل البيان التوضيحي بردود فعل متباينة، حيث رأى مؤيدون أن المفتي كان واضحاً في فتواه من البداية، وأن الجدل نشأ بسبب اقتطاع أجزاء من كلامه ونشرها خارج السياق، معتبرين أن فتواه تنسجم مع القواعد الفقهية التي تفرق بين الهدية والرشوة بناءً على النية والسياق.
في المقابل، رأى معارضون أن الفتوى، حتى مع توضيحاتها، تبقى مفتوحة للتأويل، وأنها قد تُستخدم لتبرير ممارسات غير أخلاقية في المستقبل، خصوصاً في بيئة تعاني من الفساد الإداري. وطالبوا بفتوى أكثر حزماً تحسم الأمر بشكل قاطع، ولا تترك أي مجال للاجتهاد في مسألة حساسة مثل الرشوة.
إشكالية التلقي والنشر في عصر التواصل
تثير هذه القضية إشكالية أوسع حول كيفية تلقي الفتاوى ونشرها في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المقاطع المقتطعة بشكل أسرع من النصوص الكاملة، مما قد يؤدي إلى فهم خاطئ للرسالة الأصلية. ويجد العلماء والمفتون أنفسهم في موقف صعب، يضطرون معه إلى إصدار بيانات توضيحية متكررة لتصحيح المفاهيم المغلوطة.
وفي النهاية، يبقى الدرس المستفاد من هذه الواقعة هو أهمية العودة إلى النصوص الكاملة والفتاوى بضوابطها، وعدم الاكتفاء بالمقتطفات، إضافة إلى ضرورة أن يكون الخطاب الديني واضحاً وحاسماً في قضايا الفساد والرشوة، التي تمثل آفة اجتماعية واقتصادية تهدد نسيج المجتمعات وتقوض الثقة بين المواطن والدولة.
سناك سوري



