خط كركوك ـ بانياس يعود إلى الواجهة.. هل تتحول سورية إلى مركز إقليمي لنقل الطاقة؟

عاد مشروع خط النفط كركوك ـ بانياس إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، مع تصاعد الحديث عن إعادة إحيائه ضمن رؤية أوسع تستهدف تحويل سورية إلى ممر رئيسي لنقل النفط والغاز نحو البحر المتوسط وأوروبا، في ظل المساعي لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتعزيز أمن إمدادات الطاقة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن المشروع لا يقتصر على إعادة تشغيل خط أنابيب متوقف منذ سنوات، بل يمثل تحولاً استراتيجياً قد يعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة، ويمنح سورية دوراً اقتصادياً وجيوسياسياً جديداً.
سورية.. عقدة عبور للطاقة
يستند الاهتمام المتزايد بسورية إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين الخليج العربي والبحر المتوسط، ما يجعلها ممراً طبيعياً لنقل النفط والغاز إلى الأسواق الأوروبية بكلفة أقل وزمن أقصر مقارنة بالنقل البحري.
وفي هذا السياق، شهدت واشنطن توقيع مذكرتي تفاهم بين سوريا والعراق وائتلاف من الشركات الدولية لإعادة تأهيل وتطوير خط كركوك – بانياس، في مشروع يستهدف نقل ما يصل إلى مليوني برميل من النفط الخام يومياً، بما يعيد تفعيل أحد أهم خطوط الطاقة في الشرق الأوسط.
كما يأتي المشروع في ظل توجه إقليمي لإنشاء ممرات برية جديدة تربط دول المشرق، وهو ما اعتبره المبعوث الأميركي إلى سورية والعراق توم براك جزءاً من رؤية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز خلال السنوات المقبلة.
مكاسب اقتصادية لسورية والعراق
ويرى رجل الأعمال والخبير الاقتصادي ياسر أسعد أن إعادة تشغيل الخط تمثل فرصة اقتصادية كبيرة للبلدين، إذ تمنح سورية مورداً جديداً عبر رسوم العبور، إضافة إلى توفير فرص عمل وتنشيط قطاع الطاقة والبنية التحتية واستعادة دور موانئها على البحر المتوسط.
أما العراق، فيستفيد من امتلاك منفذ تصدير إضافي لنفطه بعيداً عن المخاطر التي قد تواجه الملاحة في الخليج، وهو ما يمنحه مرونة أكبر في تصريف إنتاجه.
وأضاف أن التحركات الأميركية لا تقتصر على تشجيع الاستثمار في حقول النفط السورية، بل تشمل أيضاً دعم مشاريع خطوط الأنابيب العابرة، باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة رسم مسارات الطاقة في المنطقة.
لماذا تهتم واشنطن بسورية؟
ويشير المتخصص في الاقتصاد السياسي عبد الحميد القتلان إلى أن أهمية سورية بالنسبة للولايات المتحدة لا تكمن في حجم احتياطاتها النفطية، بل في موقعها الجغرافي الذي يؤهلها لتكون مركزاً رئيسياً لعبور النفط والغاز نحو أوروبا.
وأوضح أن السيطرة على مسارات نقل الطاقة أصبحت أكثر أهمية من السيطرة على مصادرها، لأن خطوط الأنابيب تمنح الدول نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً طويل الأمد.
وأضاف أن سورية قد تصبح مستقبلاً ممراً لنقل النفط القادم من العراق ودول الخليج إلى موانئ البحر المتوسط، ما يعزز موقعها ضمن شبكة الطاقة الإقليمية.
نقل أسرع وتكاليف أقل
وبحسب القتلان، فإن خطوط الأنابيب الجديدة ستختصر زمن نقل النفط من الخليج والعراق إلى أوروبا من نحو أسبوعين عبر البحر إلى ثلاثة أيام فقط، مع خفض تكاليف النقل بأكثر من 40%، فضلاً عن تقليل نفقات التأمين ورسوم العبور والمخاطر المرتبطة بالأزمات البحرية.
وأشار إلى أن إنشاء خط جديد سيكون أكثر جدوى من إعادة تأهيل الخط القديم، لافتاً إلى أن المشروع المقترح قد يستغرق نحو 30 شهراً بعد توقيع الاتفاق النهائي، بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً.
أهمية استراتيجية لأوروبا
ويرى خبراء أن المشروع لا يخدم سورية والعراق فقط، بل يمنح أوروبا أيضاً بديلاً أكثر استقراراً للحصول على النفط والغاز، ويقلل من اعتمادها على بعض المسارات التقليدية، الأمر الذي يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بإحياء هذا الخط.
وفي المقابل، ستجني سورية عوائد مالية من رسوم العبور، إضافة إلى تنشيط الموانئ والبنية التحتية وقطاع الخدمات المرتبط بعمليات نقل الطاقة.
مشروع مرتبط بالاستقرار
ويؤكد المختصون أن نجاح المشروع يبقى مرتبطاً بتوافر بيئة مستقرة أمنياً واقتصادياً، باعتبار أن خطوط الطاقة تحتاج إلى استقرار طويل الأمد لضمان استمرارية عملها وجذب الاستثمارات الدولية.
تاريخ خط كركوك – بانياس
افتتح خط كركوك – بانياس عام 1952، وكان من أهم خطوط تصدير النفط العراقي إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، قبل أن يتوقف أكثر من مرة نتيجة الخلافات السياسية والحروب، وصولاً إلى توقفه الكامل بعد عام 2003، ثم تعرض أجزاء واسعة منه للتخريب خلال سنوات الحرب.
واليوم، يعود المشروع إلى الواجهة بصيغة جديدة تتضمن إنشاء شبكة حديثة لنقل النفط، في ظل اهتمام أميركي متزايد بإعادة تشكيل خريطة الطاقة في المنطقة، وتحويل سورية إلى مركز إقليمي لعبور النفط والغاز نحو الأسواق العالمية.
سيرياستيبس



