اخبار ساخنة

هاتفك يقرأ فمك قبل أن تنطق.. ماذا اشترت آبل من إسرائيل؟

تخيل أن ترتدي سماعة صغيرة خلف أذنك، وتهمس بكلمة في عقلك من دون أن تفتح فمك، فإذا بهاتفك يكتبها، أو بجهاز الكمبيوتر ينفذ أمرك، وكأن هناك من يقرأ أفكارك قبل أن تولد. قد يبدو هذا وكأنه حلقة من مسلسل “بلاك ميرور”، لكنه أصبح حقيقة واقعة، دفعت أكبر شركة تكنولوجيا في العالم (آبل) إلى إنفاق ما بين 1.5 و2 مليار دولار للاستحواذ على شركة إسرائيلية ناشئة عمرها 3 سنوات فقط، لا تملك منتجاً واحداً في الأسواق ولا إيرادات معلنة!

اسم هذه الشركة هو “كيو إيه آي” (QAI)، وما طورته قد يكون أخطر تقنية في تاريخ التفاعل بين الإنسان والآلة: تقنية “الكلام الصامت”، التي تلتقط الإشارات العصبية الخافتة التي يرسلها دماغك إلى عضلات وجهك قبل أن تنطق الكلمة بمليون جزء من الثانية، وتحولها إلى أوامر رقمية. إنها ليست مجرد قراءة للشفاه، بل استباق للنطق نفسه.

في هذا التقرير، نغوص في تفاصيل هذه الصفقة التاريخية، ونكشف كيف تعمل هذه التقنية، ولماذا تُعد ثاني أكبر استحواذ في تاريخ آبل، ولماذا ترى حلف الناتو أنها تهديد استراتيجي يفتح باب “الحرب المعرفية”.

ما هي تقنية “الكلام الصامت” التي أبهرت آبل؟
من الأقطاب اللاصقة إلى مشبك الأذن الخارق!
لم تكن فكرة قراءة النشاط العضلي للوجه جديدة؛ إذ حاولت التجارب الأكاديمية السابقة تحقيق ذلك باستخدام أقطاب كهربائية لاصقة توضع على الجلد، لكنها كانت غير عملية وتحد من حركة المستخدم. هنا جاء الابتكار الثوري من “كيو إيه آي”.

طورت الشركة الإسرائيلية مشبكاً صغيراً يوضع حول الأذن، يشبه سماعة الأذن اللاسلكية، يسقط ضوءاً خافتاً بالأشعة تحت الحمراء على بشرة الوجه. هذه الأشعة لا تراها العين، لكنها ترسم خريطة مجهرية دقيقة لحركة العضلات والتشنجات الخفيفة التي تحدث قبل النطق بمليون جزء من الثانية.

كيف تعمل بالضبط؟
كاميرا خفية: ترصد الكاميرا المدمجة في المشبك تشنجات عضلات الوجه بمعدل مذهل يصل إلى 500 إطار في الثانية، وهي تفاصيل دقيقة لا تستطيع العين المجردة رؤيتها.

خوارزميات ذكية: تقوم خوارزميات التعلم الآلي المتقدمة بتحليل هذه التشنجات وترجمتها فوراً إلى كلمات وأوامر رقمية، وكأنها تترجم لغة الجسد الصامتة إلى نصوص مفهومة.

معالجة لحظية: تعالج آبل هذه البيانات محلياً عبر معالجها القوي “آبل سيليكون”، مما يضمن سرعة فائقة في الترجمة ويمنع تسرب البيانات إلى السحابة، وفقاً لتصريحات الشركة.

العقل المدبر خلف الصفقة.. قصة مكررة مع آبل
يقود هذه الشركة الناشئة رجل الأعمال الإسرائيلي أفياد ميزيلز، الذي يمتلك سجلاً حافلاً مع آبل. فقبل 12 عاماً، باع لآبل شركته “برايم سينس” (PrimeSense) مقابل 350 مليون دولار، وهي التقنية التي كانت اللبنة الأساسية لخدمة “بصمة الوجه” (Face ID) التي غيرت طريقة فتح هواتفنا.

وكأن ميزيلز يعيد سيناريو النجاح نفسه: يطور تقنية ثورية، ويبيعها لآبل، ويصبح جزءاً من تاريخها. لكن هذه المرة، الصفقة أكبر بأكثر من 4 أضعاف، مما يعكس ثقة آبل الهائلة في مستقبل هذه التقنية.

ارتباطات عسكرية مثيرة للجدل!
تشير تقارير غير رسمية إلى أن ميزيلز وشركاءه في الشركة لهم ارتباط بوحدات أبحاث تكنولوجية في الجيش الإسرائيلي، وتحديداً وحدة الحرب السيبرانية رقم 81، وهي وحدة متخصصة في تطوير تقنيات استخباراتية متقدمة. ورغم عدم وجود تأكيد رسمي، فإن هذا الارتباط يثير تساؤلات حول الطبيعة المزدوجة (المدنية والعسكرية) لهذه التقنية.

ما هو الاستخدام العسكري؟: “جندي صامت” يتواصل دون صوت!
بعد أيام فقط من إعلان صفقة الاستحواذ، خرجت تصريحات صادمة من “مفات” (MAFAT)، وكالة الأبحاث الدفاعية الإسرائيلية التي تُعد المعادل الإسرائيلي لوكالة “داربا” الأمريكية، معلنة أنها تعمل على تطوير التقنية ذاتها لتمكين قوات العمليات الخاصة من التواصل في ساحات القتال دون إصدار أي صوت مسموع.

تخيل سيناريو: جنود في مهمة سرية، يتواصلون مع بعضهم عبر أوامر “ذهنية” صامتة، دون استخدام أجهزة لاسلكية قابلة للكشف أو التشفير، مما يمنحهم تفوقاً تكتيكياً هائلاً. هذا هو البعد العسكري الذي جعل الناتو يصنف هذه التقنيات كتهديد استراتيجي.

“الحرب المعرفية”.. عندما تصبح قراءة النوايا سلاحاً!
في عام 2021، أصدر حلف شمال الأطلسي (الناتو) وثائق مثيرة صنفت التقنيات القادرة على قراءة الإدراك البشري تحت مصطلح جديد هو “الحرب المعرفية” (Cognitive Warfare).

ما هو هذا المفهوم المخيف؟

إنه الانتقال من مرحلة مراقبة ما يفعله الإنسان (كما تفعل الكاميرات) إلى مرحلة أكثر تطوراً: استباق ما ينوي فعله.

استخدام التقنية لمعرفة مشاعر الشخص، ودرجة تركيزه، ونواياه الحقيقية، وحتى حالته العاطفية، وتحويل هذه المعلومات إلى أداة ضغط أو تحكم نفسي.

وهنا تكمن القفزة النوعية في تقنية “الكلام الصامت”. براءات الاختراع المسجلة تشير إلى أن أجهزة الاستشعار الضوئية ليست مخصصة لقراءة الكلمات فحسب، بل يمكنها أيضاً:

  • تحديد هوية المستخدم بيولوجياً.
  • تقييم حالته العاطفية بدقة.
  • قياس نبضات قلبه ومعدل تنفسه، مما يرسم خريطة نفسية وبيولوجية كاملة لكل لحظة من حياته.

مخاوف الخصوصية: هل نثق في آبل التي تتعامل مع “البيانات الذهنية”؟
رغم أن آبل تروج لميزة الخصوصية بأنها تعالج كل هذه البيانات محلياً على جهاز المستخدم باستخدام معالجها القوي، وتستخدم بنية حوسبة سحابية خاصة “قابلة للتحقق المستقل”، إلا أن التاريخ يعلمنا درساً قاسياً: أجهزة المراقبة لم تحتج أبداً لبناء بنيتها التحتية من الصفر، بل كانت تستولي على بنى تحتية مدنية قائمة.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة:

هل يمكن لهذه التقنية أن تتحول من أداة للراحة والإعاقة إلى أداة للمراقبة الجماعية؟

هل يصبح مشبك الأذن هذا مستقبلاً أداة لقياس ولاء الموظف، أو معرفة نوايا المسافرين في المطارات؟

وهل يمكن للحكومات (حتى من خلال أبواب خلفية) أن تصل إلى هذه البيانات “الذهنية” الحساسة؟

آبل تجيب بأن التشفير وهندسة الخصوصية هما خط الدفاع الأول، لكن الجدل حول الحدود بين الابتكار المذهل وانتهاك الخصوصية الشخصية لا يزال مفتوحاً على نطاق واسع.

إما أعظم أداة للتواصل أو أخطر سلاح للمراقبة
تقنية “الكلام الصامت” التي استحوذت عليها آبل تحمل في طياتها وعداً كبيراً لملايين الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في النطق، أو لمن يريدون التفاعل مع أجهزتهم في الأماكن الصاخبة أو المزدحمة. لكنها في الوقت نفسه، تحمل تهديداً وجودياً للخصوصية الإنسانية كما نعرفها.

مع تطور هذه التقنيات، لم يعد الخيال العلمي بعيداً؛ فنحن نقترب من عالم تصبح فيه “النوايا” مقروءة، وتصبح “الأفكار” قابلة للتشفير، ويصبح الصمت مجرد كلام آخر غير مسموع.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى