الاخبار

خطابات أعوام الحرب تلاحق مفتي سوريا السابق

ظهر اسم الشيخ الحلبي أحمد بدر الدين حسون مع مطلع تسعينيات القرن الماضي حين جرى تعيينه خطيباً لمسجد الروضة العريق في حلب، وفي الوقت ذاته استغل شعبيته المتنامية ليكون عضواً في مجلس الشعب الذي بقي فيه حتى عام 1998، وفي 2002 جرى تعيينه مفتياً لمحافظة حلب شمال سوريا، حيث اشتهر المفتي بخطابه الديني الممزوج بالمواقف السياسية الحماسية القادرة على التأثير في المزاج العام وهو ما تلاقى مع مطلب سلطة بشار الأسد الحديثة حينها.

المفتي الذي ولد في حلب عام 1949 كان سليل عائلة دينية تعتمد في رؤيتها وتصوراتها على الإسلام الشامي المعتدل، مما أضاف في رصيد الشيخ شعبيةً، وخلال ذلك كان أفضل وسيلة لإعادة صياغة علاقة الدولة بالمؤسسة السنية عبر الشيوخ الموثوقين، ومن هذا المنطلق أعطي حسون صلاحيات واسعة في إصدار الفتاوى، ولاحقاً الضلوع الفعلي والمركّز في إرسال “الجهاديين” من سوريا إلى العراق لمواجهة أميركا بعد عام 2003.

وفي هذا الإطار لا يمكن فصل المسار الديني عن السياسي لكون المنصب الإفتائي في سوريا يخضع تاريخياً مباشرةً لرأس السلطة، مما حوّل مفتي حلب حينها، كما مفتيين آخرين، لناطقين رسميين باسم نظام الأسد، ليصبح المفتي بمركزه الديني شريكاً في نسج السياسة والإعلام، وبعد وفاة مفتي الجمهورية العام لسوريا الشيخ أحمد كفتارو جرى الاصطلاح على تعيين حسون عام 2005 مفتياً عاماً بصلاحيات كانت تتسع عاماً تلو الآخر على الصعيد الداخلي والدولي.

رجل الدولة
مع اندلاع الحرب السورية عام 2011 لم يفكر حسون كثيراً قبل أن يحسم موقفه نهائياً لمصلحة الاصطفاف مع النظام إلى أبعد حدٍّ ممكن، حتّى بات واجهة دينية وإعلامية وسياسية تتحدث باسم الدولة في محافل داخلية وخارجية وتدافع عن روايتها بكل ما استطاع من قوة ومهارة لا تنقصه في الإقناع.

انقسم كثر في مواقفهم حول حسون خلال الثورة، فبعض السوريين رأوه أداة تقريب مواقف وامتصاص احتقان طائفي وهو أول من بادر بالمسامحة بدم ابنه الأصغر “سارية” الذي اغتيل على طريق حلب أواخر عام 2011 في خطبة علنية شهيرة داعياً فيها إلى التوافق والترفع فوق الجراح، فيما رآه آخرون بأنّه صلب أداة تعزيز خطاب النظام في التحريض واستخدام القوة العسكرية والبراميل المتفجرة وشرعنتها، وفعلاً في أكثر من مكان استخدم حسون لغة عنيفة في مواجهة خصوم نظام بشار ومعارضيه.

حال المفتي حسون تشبه حالات كثيرة تبوأت مناصب حساسة في سوريا مثل المستشارة بثينة شعبان، وفي الحالين كان ينظر إليهما رفقة آخرين بأنّهم وجه الدعاية السياسية المضادة لرواية المعارضة، ومن هذا المنطلق يقول المحامي نصر عيسى “محاكمة حسون اليوم تتجاوز عمامته وموقعه الديني لتخوض بأفعاله الشخصية بوصفه شخصية عامة مسؤولة كانت تتمتع بالقدر الكافي لتتمكن من التحريض على ارتكاب جرائم أو إيجاد غطاء ديني لها، المحاكمة هنا ليست مبنية في أصل موضوعها على فعل مادي مرتكب، إنما على إثبات دوره الكبير في مسؤولية جنائية تتعلق بالتحريض على ارتكاب جرائم حرب كبرى، فالموقف هنا ليس مرتبطاً بإدارة مؤسسة الإفتاء ولا بتجاوزات مالية وإدارية، إنما بصرف النفوذ واستغلال المنصب، لذلك هذه المحاكمة معقدة جداً”.

المحاكمة والتهم
على رغم أنّ حسون ظلّ مفتياً لأكثر من عقد ونصف العقد فإن محاكمته اليوم لا تأتي على خلفية منصب ديني، إنما بما تمّ تحت هذا الستار، لذلك جاءت لائحة اتهام المحكمة مكونةً من جرائم أبرزها “توفير الغطاء الشرعي من خلال استغلال المنصب الديني لشرعنة انتهاكات النظام، مما أعطى الضباط والجنود غطاءً معنوياً ارتكبوا تحته مجازر بحق المدنيين، وكذلك التحريض على القتل والتهجير عبر المطالبة بإخلاء أحياء حلب الشرقية، والتهديد العلني لأهالي محافظة إدلب، وأيضاً الإشادة بمجرمي الحرب ودعم وتأييد شخصيات متورطة بانتهاكات واسعة مثل عصام زهر الدين وقاسم سليماني، والتدخلين الروسي والإيراني في سوريا، رفقة خطاب الإبادة والدمار إثر مطالبته في مرحلة ما قوات النظام بإبادة وتدمير أي منطقة تخرج منها قذائف، فضلاً عن التحريض الخارجي بعدما أطلق قبل أعوام تهديدات علنية للمجتمع الأوروبي بوجود استشهاديين سوريين مجهزين من قبل النظام في بلدانهم”، وفق ما قال عيسى.
وفي هذا السياق يرى المستشار القانوني أحمد شريباتي أنّ “موقف حسون معقد في القضية لأنّ المسؤولية الجنائية لا تبحث فقط عن المنفذ إنما تبحث عن المحرض والمبرر وصاحب الغطاء والتوجيه الذي تمّ بفعله الأمر”.

وأضاف شريباتي “لكن أيضاً في هذه الحالة يمكن أن يدفع فريق الدفاع عن حسون بمذكرات تؤكد أنّه لم يصدر أوامر عسكرية ولم يكن داخل منظومة القرار الأمني فعلياً، وأنّ تصريحاته مهما بدت معادية فهي جاءت في الإطار الكلامي الحماسي الذي يعبر عن موقف سياسي، وهنا سيتكبد طرف الادعاء مشقة إثبات ارتباط تأثير الخطاب السياسي على الفعل الجنائي”.

وتابع المتحدث “محاكمة حسون كلّها تندرج في إطار الحكم على أفعال التحريض في الفضاء العام، وهذا النوع من الأحكام هو الأعقد في سياق المحاكمات الدولية حول العالم حتّى، ولكن خصوصيته في سوريا أنّه مبني على حالة تتعلق بالعدالة الانتقالية التي تسعى السلطة بموجبها إلى محاسبة أي أحد ولو كان شيخاً طاعناً بالسن كحسون وقد قارب عمره 80 سنة وقبل المحاكمة ظلّ محتجزاً عاماً كاملاً في ظروف غير آدمية وانفرادية وهو يعاني أمراضاً عليلة”.

محاكمة المنتصر
يقول أستاذ القانون الجنائي زهير حسن إنّ “محاكمة حسون تفتقر للأسس المنطقية وتقوم على فضاء متخيل يمنح الشعب حبوباً مهدئة، وعلى رغم أنّ حسون قام بالتحريض فعلاً وهو جرم يعاقب عليه القانون السوري إذا ما أفضى لنتيجة، لكن بالمحصلة كلّ السوريين في الحرب وحتى اليوم يمارسون التحريض وبطريقة أسوأ بكثير، العدالة الانتقائية تضر بصانعيها، خصوصاً إذا ما كانت أقرب لمحاكمة صورية، مع الأخذ بالاعتبار أنّ محاكمة الشيخ نفسه قد تكون مطلباً من جهة ثالثة نظير مواقف متشابكة تتعلق بمرحلة ما قبل الحرب السورية حتّى الملف العراقي”.

وأكمل حسن قوله “الآن على النيابة والمحكمة أن تفحصا وتراجعا مئات أو آلاف التصريحات والخطب للمفتي حسون، ودراسة الواقعية الزمنية لها وما تبعها من حيث الفعل والتأثير وإلا لكانت خطاباته بمثابة تعبير عن رأي سياسي، وبخاصة أنّ السلطة اليوم تعتمد بصورة قوية وبتحالف وثيق على مجرمين تم إثبات إدانتهم بجرائم حرب، الكرة الآن في ملعب الدفاع الذي عليه إثبات أنّ خطابات حسون لم تنجم عنها أفعال استثنائية وألّا تكون المحاكمة ذات أبعاد سياسية مطلقة وبخاصة أنّ الرجل كان طليقاً وحراً في الأشهر الأولى التي تلت التحرير”.
ويختتم أستاذ القانون الجنائي حديثه بالتأكيد على أنّه لا يدافع عن حسون مطلقاً، إنما يحاول تبيان الموقف القانوني في أصول المحاكمات حول القضية عينها، مؤكداً أنّ التمكن من إثبات المسؤولية الجنائية عليه سيستوجب حسابه، وإن لم يتم الإثبات القطعي فسوريا اليوم بغنى عن محاكمات تدين الموقف السياسي والأخلاقي للأشخاص لأنّ كلّ الأطراف تورطوا بصورة أو بأخرى، مستدلاً أن وزيرين كانا في حكومة الأسد سابقاً هما اليوم وزيران في حكومة الشرع أيضاً.

الشارع السوري
يحمل المفتي حسون شهادة دكتوراه في الفقه الشافعي من الأزهر الشريف، ويقترب حدّ الالتصاق من الفكر الصوفي عبر تاريخه، وهو الفكر الذي يمثل غالبية السنّة في سوريا مع اعتبار الأشاعرة والماتردية المتقاربين، وكلّها مدارس فقهية أو كلامية تصب في خانة الإسلام الشامي الوسطي، وانطلاقاً منه كانت تحظى مؤسسة الإفتاء السورية تاريخياً بمكانةٍ واعتبارٍ كبيرين في سوريا وخارجها، وبمعزل عن طوفان النشوة الثورية، فإنّ إخضاع رجل بقيمة حسون لمحاكمة يصفها بعض السوريين بالمذلّة هو أمر غير مفهوم، خصوصاً مع عرض صوره قبيل المحاكمة مكبل اليدين ومغمى العينين كمجرم خطر، وهو ما يعزز فرضيات المخاوف من تنامي الاستعداء، ولا يناسب بطبيعة الحال شكل المجتمع السوري، وذلك بناء على استمزاج آراء سوريين من شرائح متنوعة ورصد تفاعلاتهم في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية هذه القضية وما سبقها.

الصراع على القوة
وفي الإطار لا بدّ من التذكير بنقطة جدلية لا يعرف تفاصيلها معظم السوريين وهي أنّ إقالة حسون من منصب الإفتاء بحدود عام 2021 وإلغاء المنصب تماماً لم يكن أمراً عادياً، وبحسب معلومات خاصة لـ”اندبندنت عربية” لم تطرح سابقاً فإنّ استبعاد المفتي وإقصاءه ومنعه من مزاولة الحياة العامة بتلك الطريقة الدرامية كان ناجماً عن صراع خفي ساده كسر العظم بين وزير الأوقاف وقتها محمد عبدالستار السيد الذي ظلّ أيضاً في منصبه لأكثر من عقد ونصف حتى سقوط النظام والمفتي حسون، وكلٌّ منهما كانت له حساباته الخاصة في إدارة الشأن الديني السوري، وكلاهما سعى إلى امتلاك الشارع السني الوسطي، ولكنّ الغلبة في النهاية كانت للوزير الذي تمكن من إقناع الأسد بإقصاء حسون واغتياله معنوياً.

ويعلم المطلعون من السوريين أنّ وزير الأوقاف كان أشد المسؤولين تأثيراً في نظام الأسد، وكان يفوق بقوته وسطوته وزير الدفاع، ونجح كما نقل عنه في إحدى المرّات بأن يحفظ ولاء الشارع السني الداخلي للأسد حين قال لأحد مقربيه “المسيرات المليونية المؤيدة في دمشق وحمص التي خرجت لتنصر الأسد كانت من السنّة وبفضلي لأني أنا من علّمهم أنّ الخروج على الحاكم كفر، وأنا من قويت له شبكة القبيسيات لتحكم نساء سوريا، وأنشأت له الفريق الديني الشبابي لمنع أي تطرف داخل المدن، لذلك بشار مدين لي وليس لحسون الذي لا يجيد سوى الاستعراض”.

إمكانية العفو
منذ توقيف المفتي حسون قبل عام وحتى بدء محاكمته أخيراً طغى سؤال فضولي على الدوام حول إمكانية العفو عنه قانونياً، وللوقوف على هذا الجانب الذي يبدو الأهم في قضيته نظراً إلى مكانته السابقة وسنّه المتقدم تحدثت “اندبندنت عربية” إلى القاضي واصل يوسف الذي كان رئيس محكمة قبل تقاعده، وقال “أول مشكلة أمامنا هي عن ماذا يحاسب حسون بالضبط؟ وما هي الإدانات؟ وكيف سيتم مطابقتها وتعريفها قانوناً وتطبيقها والقانون السوري كلّه لا يوجد فيه مادة تتحدث عن جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية؟”.
وحول العفو نفسه يشير يوسف إلى أن “العفو مقرون بالحكم، فالعفو لا يحلّ مكان المحاكمة، إنما يأتي بعد صدور الحكم المستند إلى توصيف الجرم والمسؤولية الجنائية وتحديد العقوبة، فإذا نال حسون البراءة لن يكون هناك حاجة للعفو، واستبعد الأمر، لأنّه لم يقد إلى قفص الاتهام ليخرج بريئاً، سيتم تجريمه بكل الأحوال، وفي حال حكم الإدانة، فإذا وجد القاضي جرماً مرتكباً ومنصوصاً عليه في قانون العقوبات السوري حينها يكون لدينا ثلاثة احتمالات، إما تخفيف العقوبة لأسباب مختلفة، أو خفضها لدواعٍ صحية، أو الذهاب نحو عفو خاص وهو مستبعد أساساً أيضاً، والأخطر اعتبار ما يحاكم لأجله جرائم ضد الإنسانية وفق اجتهادات خاصة بالمحكمة حينها سيساق الملف ضمن موضوع العدالة الانتقالية التي تتشدد كثيراً في منح العفو لدرجة الاستحالة، ويحمّل السلطة ضغوطاً إضافية كما حصل في تجارب محاكم مشابهة في رواندا والبوسنة وجنوب أفريقيا وغيرهم، الأمر الآن يخضع للتكهن، لا أحد يستطيع الجزم بشيء، الموضوع كلّه سيادي بالمطلق، فالمادة 40 من الإعلان الدستوري الذي وضعه الرئيس الشرع تتيح له منح عفو خاص ورد اعتبار، لكن في حالة إدانة حسون ثم منحه عفواً خاصاً ستحصل مشكلات بالجملة والسلطة في غنى عنها، عموماً من المبكر الحديث عن منح العفو لأنّ المحكمة لم تصدر أي أحكام بعد لذا لا يوجد عفو أساساً في هذه المرحلة”.

ويتحدث القاضي في العموم عن حالات العفو الخاص مؤكداً من جديد شريطة اقترانها بصدور حكم قطعي، ويضيف “يجب أن يصدر حكم مبرم لا يقبل الطعن، ثمّ هناك أسباب تؤخذ في الاعتبار كأن يكون المحكوم تجاوز سن 70 سنة، أو لا يستطيع إعالة نفسه، أو مصاباً بمرض عضال، حينها يتدخل رئيس الجمهورية وفق صلاحياته لإصدار عفو خاص بعد الأخذ برأي لجنة العفو، ودراسة سيرة وسلوك الشخص وغير ذلك، لكن هذا المسار يبدو معطلاً تماماً في تجارب العدالة الانتقالية بحسب المحاكمات الدولية، لذا يبقى أن أعيد أن الوقت مبكر حول التكهن لأنّ حسون لا يزال متهماً حتى الآن وغير مدان بتوصيف مجرم ولم يصدر في حقّه أي حكم، لننتظر”.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى