لماذا امتدت جنازة خامنئي إلى 5 مدن في إيران والعراق؟

عندما شيّع الإيرانيون مرشدهم الراحل علي خامنئي، لم تكن الجنازة مجرد وداع عابر، بل تحولت إلى حدث استثنائي امتد لستة أيام، جاب خلالها النعش خمس مدن موزعة بين إيران والعراق، من طهران إلى قم، فمشهد، ثم النجف وكربلاء، في مشهد أثار فضول المتابعين وأعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: لماذا هذا التمدد الجغرافي في مراسم تشييع قادة إيران؟
بين الظاهر الديني والجوهر السياسي.. فلسفة الجنازات الإيرانية
في ظاهرها، تبدو هذه المراسم ذات طابع ديني محض، لكن الباحثين والتقارير الغربية تؤكد أن الأبعاد السياسية والأمنية والرمزية هي المحرك الأساسي لهذا النهج، فالجمهورية الإسلامية تنظر إلى الجنازات كمنصة متكاملة لإظهار التماسك الداخلي، وتوجيه رسائل مضبوطة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء، وكما يقول أستاذ دراسات إيران في الجامعة الوطنية الأسترالية، الدكتور علم صالح، فإن هذا التوجه ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يمتد في تاريخ إيران المعاصر، حيث استُخدمت المناسبات الدينية كأداة دبلوماسية وسياسية بامتياز.
تفاصيل صغيرة.. رسائل كبيرة
لا شيء يترك للصدفة في هذه المراسم، فاختيار من يصلي على المتوفى، وتحديد أماكن الدفن، ووقت إقامة الصلاة، وحتى اختيار الآيات القرآنية، كلها عناصر تحمل دلالات سياسية مدروسة، واللافت أن التشييع لم يقتصر على المدن الإيرانية فقط، بل امتد إلى النجف وكربلاء في العراق، في خطوة تهدف إلى تعظيم الرسالة الشعبية والسياسية للمناسبة، ومنحها بُعداً مذهبياً عابراً للحدود.
رسالة إلى واشنطن.. “الإيرانيون يقفون مع حكومتهم”
يرى الدكتور صالح أن هذا الامتداد الجغرافي يحمل رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الشعب الإيراني، رغم احتجاجاته الداخلية، يقف صفاً واحداً خلف حكومته في مواجهة أي عدوان خارجي، وأن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي لم يؤدِ إلى إسقاط النظام أو إحداث احتجاجات كبرى، بل على العكس، زاد من تماسك المؤسسات الحكومية والشعبية، وهذه كانت الرسالة الأهم التي أرادت طهران إيصالها من خلال مشاهد الحشود المتدفقة في كل محطة من محطات الجنازة.
استعراض القوة والشرعية في لحظة فراغ
صحيفة “فايننشال تايمز” وصفت الحدث بأنه ليس مجرد ختام لجنازة، بل النهاية الرمزية لحقبة امتدت 37 عاماً، وسعت خلالها الجمهورية الإسلامية إلى تحويل المراسم إلى استعراض للتحدي والصمود، مقدمة الحشود الجماهيرية كدليل على أن النظام لا يزال متماسكاً وقادراً على حشد الأنصار، رغم الحرب والضغوط، وفي الوقت نفسه، شكلت الجنازة فرصة ذهبية لظهور قيادات النظام الجديدة علناً بعد أشهر من الاختباء لأسباب أمنية، في رسالة تؤكد استمرارية الدولة واستقرار مؤسساتها.
لماذا العراق؟ البعد الشيعي العابر للحدود
إدراج النجف وكربلاء في برنامج التشييع لم يكن اعتباطياً، فالمدينتان تحظيان بمكانة دينية خاصة لدى الشيعة، وتضمّنهما في المراسم يعكس حرص إيران على إضفاء شرعية دينية عابرة للحدود على الحدث، وإبراز امتداد نفوذها الرمزي داخل الفضاء الشيعي، كما أن الحشود التي خرجت في العراق حملت رسالة أخرى عن عمق العلاقات الشعبية بين البلدين، وهي رسالة موجهة أيضاً إلى الخصوم الإقليميين.
حدث جماهيري بامتياز.. والسلطات تستغل الزخم
دعا رجال الدين وقادة الجمهورية الإسلامية أنصارهم إلى المشاركة بكثافة في جميع محطات التشييع، في مسعى لاستغلال الزخم الشعبي وتقديم مشاهد الحشود كدليل على استمرار التأييد الشعبي، ورغم أن البرنامج الأولي للجنازة كان يقتصر على طهران وقم ومشهد، إلا أنه جرى توسيعه لاحقاً ليشمل مدينتي كربلاء والنجف، ما يؤكد أن السلطات كانت تدرك تماماً أهمية تحويل الجنازة إلى حدث يمتد لأيام، ليضمن استمرار الحشد الإعلامي والسياسي، ويعزز الرسائل التي ترغب في توصيلها إلى الداخل والخارج.
عربي21



