747 مليون دولار لرخصة MTN سوريا.. لماذا تثير صفقة “زين الكويتية” كل هذا الجدل؟

في خطوة تعيد رسم خريطة الاستثمار في سوريا، أعلنت مجموعة “زين” الكويتية فوزها برخصة تشغيل شبكة “إم تي إن” للاتصالات المتنقلة، في صفقة تعد الأضخم من نوعها منذ سنوات. لكن خلف هذا الإعلان، يلوح في الأفق نقاش حاد حول شفافية الصفقة وقيمتها المالية، وهوية المستثمر الحقيقي، وسط محاولات الحكومة السورية لتقديم نفسها كبيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية بعد عقد من العزلة. فما هي تفاصيل هذه الصفقة التي أثارت الجدل قبل أن تبدأ؟ وما هي المخاوف التي تطرحها الأوساط الاقتصادية حول مستقبل قطاع الاتصالات في سوريا؟
تفاصيل الصفقة.. 747 مليون دولار ثمناً لرخصة تمتد 25 عاماً
أعلنت مجموعة “زين” الكويتية عن فوزها برخصة تشغيل شبكة اتصالات متنقلة في سوريا لمدة تصل إلى 25 عاماً (20 عاماً قابلة للتمديد لخمس سنوات إضافية)، مقابل بدل رخصة بلغ 747 مليون دولار. وجاء هذا الفوز عقب مناقصة نظمتها وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية لاختيار مشغل جديد لشبكة “إم تي إن” سوريا، التي كانت تديرها سابقاً شركة جنوب أفريقية قبل أن تنسحب من السوق.
وبموجب الاتفاقية، ستؤسس “زين” شركة جديدة تحمل اسم “زين سوريا”، تمتلك فيها 75% من الأسهم، بينما تحتفظ جهة حكومية سورية (يُرجح أنها صندوق الثروة السيادي) بنسبة 25%. ومن المقرر أن يبدأ التشغيل التجاري الكامل خلال الربع الأول من عام 2027 بعد استكمال المتطلبات التنظيمية، مع مرحلة انتقالية تستمر ستة أشهر لضمان استمرارية الخدمة لنحو 6.3 ملايين مشترك.

استثمار يتجاوز 1.5 مليار دولار.. رهان على مستقبل سوريا الرقمي
لا تقتصر قيمة الصفقة على بدل الرخصة فقط، بل تتضمن التزاماً من “زين” بضخ أكثر من 800 مليون دولار إضافية خلال السنوات العشر المقبلة لتحديث الشبكة ونشر خدمات الجيل الخامس وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وبذلك ترتفع قيمة الالتزام المالي الإجمالي إلى أكثر من 1.5 مليار دولار، مما يجعلها واحدة من أكبر الاستثمارات الأجنبية المعلنة في سوريا منذ نهاية عام 2024.
ويسوّق الرئيس التنفيذي لمجموعة “زين”، بدر الخرافي، هذه الخطوة باعتبارها توسعاً استراتيجياً في سوق يتمتع بإمكانات نمو مرتفعة، مستنداً إلى ارتفاع نسبة الشباب واتساع الطلب المتوقع على خدمات البيانات والتحول الرقمي. كما شدد على أن الاستثمار لا يقتصر على البعد التجاري، بل يستهدف دعم التحول الرقمي وتنمية الاقتصاد السوري عبر الاستثمار في البنية التحتية والكفاءات المحلية والشركات الصغيرة والمتوسطة.
تساؤلات حول التقييم المالي وهوية المستثمر الحقيقي
رغم الرسائل الإيجابية التي حملها الإعلان الرسمي، أثارت الصفقة نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الاقتصادية، خاصة حول قيمة الرخصة التي يراها البعض مرتفعة مقارنة بالتقديرات السوقية لشركة “إم تي إن سوريا”، والتي تراوحت بين 240 و340 مليون دولار بحسب تقديرات غير رسمية.
ويرى خبراء أن هذا الفارق الكبير يستوجب تفسيراً اقتصادياً واضحاً يشرح الأسس التي استند إليها التقييم، سواء تعلق الأمر بتوقعات الإيرادات المستقبلية أو بقيمة الرخصة طويلة الأجل. كما تبرز تساؤلات حول هوية المستثمر النهائي، خاصة بعد تصريحات سابقة تحدثت عن اهتمام شركة “إس تي سي” السعودية بالسوق السورية، قبل أن تعلن وزارة الاتصالات فوز “زين” الكويتية بالرخصة.

اختبار للشفافية في بيئة استثمارية ناشئة
يشير متابعون إلى أن قطاع الاتصالات يعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في الاقتصاد الوطني، الأمر الذي يستوجب أعلى مستويات الوضوح القانوني والمالي. ومع أن مسؤولين سوريين أكدوا أن عملية الترخيص تمت “بشفافية ونزاهة” وفق “معايير مهنية صارمة”، يرى خبراء أن وزارة الاتصالات مطالبة بالإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بأسس التقييم ومدى استيفاء الصفقة للمتطلبات القانونية الخاصة بالإفصاح.
كما يلفت الباحثون إلى أن الأداء التشغيلي لـ”إم تي إن سوريا” خلال السنوات الأخيرة لا يعكس، وفق المعطيات المتاحة، صورة شركة تحقق معدلات نمو استثنائية تبرر وحدها هذا التقييم المرتفع، خاصة مع تراجع بعض الخدمات الرئيسية التي كانت تمثل مصادر مهمة للإيرادات، واستمرار الضغوط المرتبطة بانخفاض القوة الشرائية وارتفاع تكاليف تحديث البنية التحتية.
بين الفرصة الاقتصادية ومتطلبات الحوكمة
تمثل صفقة “زين” خطوة استراتيجية نحو إعادة إحياء قطاع الاتصالات السوري وجذب الاستثمارات الأجنبية، في وقت تسعى فيه الحكومة الجديدة إلى تقديم نفسها كبيئة جاذبة للاستثمارات. لكن نجاح هذه التجربة في تعزيز ثقة المستثمرين لا يتوقف عند حجم الأموال المستثمرة، بل يمتد إلى درجة الشفافية والحوكمة التي صاحبت العملية، والإجابة عن التساؤلات المشروعة حول التقييم المالي وهياكل الملكية.
الحل نت



