أسرار أوتاوا: هكذا نسقت واشنطن وحلفاؤها ملفات الشرق الأوسط

لم تكن فترة التسعينيات من القرن الماضي عادية بالنسبة إلى قضايا المنطقة العربية ومعها الأدوار الأميركية والأوروبية، فهناك عملية سلام في الشرق الأوسط تسعى الأطراف الدولية إلى تسريع وتيرتها، ومناطق لم تهدأ وتيرة أحداثها كما في العراق وليبيا وسوريا ولبنان وغيرها، مما استدعى “تنسيقاً” مكثفاً بين الأوروبيين والأميركيين، وكشفت بعضاً من تفاصيله وثائق حديثة أفرجت عنها الخارجية البريطانية تغطي الفترة الممتدة ما بين الأول من يناير (كانون الثاني) وآخر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1996.
في تلك الفترة كشفت وثائق الملف الأرشيفي رقم FCO 98/7397 المحفوظ لدى The National Archives, Kew (رفع عنها السرية يونيو (حزيران) الماضي) جانباً من الاجتماعات والمداولات التي شهدتها أوتاوا عام 1996، فضلاً عن آليات التنسيق الدبلوماسي بين الحلفاء الغربيين، وكيف جرى الربط بين عدد من الملفات الإقليمية ضمن رؤية سياسية واستراتيجية واحدة.
وعلى رغم أن الملف المفرج عنه حديثاً ركز على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا، فإن فحوى وتفاصيل الوثائق الواردة فيه تمتد إلى ما هو أبعد من هذا الإطار، لتكشف عن مشاورات واتصالات دبلوماسية تناولت أبرز ملفات الشرق الأوسط في تلك الفترة وحجم التنسيق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في شأن قضايا فلسطين وسوريا ولبنان والعراق، إضافة إلى تأثير هذه الملفات في السياسة الأوروبية تجاه ليبيا.
كندا ومساعي الانخراط عربياً
وفق ما أوضحته الوثائق المفرج عنها حديثاً، ففي الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) 1996، بدأت محادثات متخصصي الشرق الأوسط بين الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة، التي عقدت في أوتاوا، في أجواء وصفتها البرقية بأنها ودية وهادئة، وسط تقارب كبير في تقييم الجانبين التطورات الأخيرة على المسار الفلسطيني، وترحيب أميركي بإعلان مجلس الاتحاد الأوروبي الصادر في الأول من أكتوبر، إلى جانب إبداء قدر من التشكيك في جدوى تعيين مبعوث أوروبي خاص، فيما أكدت واشنطن رغبتها في تجنب اتخاذ قرارات متسرعة في شأن إجلاء العاملين في مجال الإغاثة من شمال العراق.
وذكرت الوثائق البريطانية أن وفد الترويكا الأوروبية اجتمع مع وفد أميركي ترأسه مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى روبرت بيلترو، في إطار الحوار السياسي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث تركزت المناقشات على عملية السلام في الشرق الأوسط، كما تناولت ملفات العراق وليبيا والجزائر والشراكة الأوروبية المتوسطية، فيما عقد وفد الترويكا، بناءً على طلب الجانب الكندي، اجتماعاً مقتضباً مع مساعد نائب وزير الخارجية الكندي لافيردور، أطلعه خلاله على أحدث المبادرات الأوروبية المتعلقة بعملية السلام.
جهود دفع عملية السلام
وانتقلت الوثائق إلى استعراض تطورات المسار الفلسطيني، حيث قدم بيلترو تقييماً لمسار الأحداث التي سبقت قمة واشنطن، موضحاً أن البداية بدت واعدة نسبياً بعدما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بنيامين نتنياهو، خلال زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة، أنه لم ينتخب لتفكيك عملية السلام. وأضاف أن زيارة الرئيس المصري حسني مبارك إلى واشنطن، تلاها أول اللقاءات بين ديفيد ليفي وياسر عرفات، أوحت بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، إلا أن الاتصالات اللاحقة لم تسفر عن نتائج ملموسة، بينما أدت سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية غير المدروسة إلى تصعيد التوتر في الأراضي الفلسطينية، وبلغ هذا التصعيد ذروته مع افتتاح نفق الحشمونيين، الذي وصفته الوثائق بأنه خطوة استفزازية. وأوضحت أن الولايات المتحدة فوجئت بحالة اللامبالاة التي أبداها نتنياهو تجاه الانفجار الذي أعقب افتتاح النفق، مما دفعها إلى حثه على قطع جولته الأوروبية والعودة لإجراء اتصال مباشر مع ياسر عرفات.

وأضافت الوثائق البريطانية أن واشنطن قررت إطلاق مبادرة قمة واشنطن بعدما اتضح لها أن قمة القاهرة لن تحقق أهدافها بسبب إصرار الرئيس المصري حسني مبارك على الحصول مسبقاً على ضمانات بنتائج محددة، وهو مطلب اعتبرته إسرائيل غير مقبول. وأوضحت أن الإدارة الأميركية كانت واقعية في تقديرها لنتائج قمة واشنطن، إذ تمثل هدفها الأساس في وقف أعمال العنف وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، وهو ما اعتبرت أنه تحقق بالفعل، على رغم الصعوبة الكبيرة التي واجهتها في إقناع إسرائيل بقبول وجود أميركي داخل المفاوضات.
وكشفت الوثائق أن بعض التقدم تحقق بالفعل، إذ تقرر تخفيف إجراءات الإغلاق، والإفراج عن البضائع الفلسطينية المتراكمة في الموانئ الإسرائيلية، وأقيم تنسيق جيد داخل اللجنة الأمنية المشتركة، غير أن المناقشات المتعلقة بإعادة الانتشار في الخليل اتسمت بصعوبة بالغة، ووصلت في إحدى مراحلها إلى انسحاب الوفد الفلسطيني من المفاوضات، على رغم استمرار ثقة الولايات المتحدة في تنفيذ إسرائيل إعادة انتشار حقيقية، وإن كانت بطيئة.
وأشارت الوثائق إلى أن واشنطن أعربت عن قلقها من أن نتنياهو بدا في مرحلة معينة عازماً على الانتقال مباشرة إلى مفاوضات الوضع النهائي، متجاوزاً مرحلتي إعادة الانتشار المتبقيتين المنصوص عليهما في الاتفاق الانتقالي، وهو ما أثار مخاوف الإدارة الأميركية.
وتبين من الوثائق أن الجانب الأميركي رأى أن المرحلة أصبحت سباقاً مع الزمن، وأن بناء سجل من التقدم الملموس بات أمراً ضرورياً لتجنب اندلاع موجات جديدة من العنف، وأبدى قلقه من الموقف المصري، محذراً من احتمال خروج القاهرة عن خط الانخراط في العملية السياسية.
موقف الترويكا الأوروبية
في الأثناء وأمام الدور الأميركي في عملية السلام، أكدت الوثائق أن الترويكا الأوروبية حذرت من التركيز المفرط على إعادة الانتشار في الخليل، معتبرة أن مرحلتي إعادة الانتشار اللاحقتين قد تكونان أكثر حساسية وأهمية.
وأضافت الوثائق أن الاتحاد الأوروبي أكد تمسكه بسياسة متوازنة، موضحاً أنه كان يبحث عن وسائل تمكنه من التأثير بصورة أكبر في عملية السلام، وأنه عمل على تحديد مجموعة من “الخطوط الحمراء” التي ينبغي ألا يتجاوزها أي من الطرفين، وهو ما انعكس في إعلان مجلس الاتحاد الأوروبي الصادر في الأول من أكتوبر، الذي عبر عن قلق بالغ من احتمال انهيار عملية السلام التي يمتلك الاتحاد الأوروبي فيها مصالح كبيرة.

وأوضحت أن الاتحاد بدأ يبحث عن وسائل لتعزيز مساهمته في العملية السياسية، في ظل شعور متزايد داخل أوساطه بأنه لا ينبغي أن يقتصر دوره على تمويل العملية دون امتلاك وسائل فعلية للتأثير في مسارها، فضلاً عن تزايد الاستياء الأوروبي من الإجراءات الإسرائيلية، مثل الإغلاقات ومضايقة المتخصصين الأوروبيين، التي كانت تؤدي إلى تقويض أثر المساعدات الأوروبية.
وذكرت الوثائق أن أحد الخيارات التي ناقشها الاتحاد الأوروبي تمثل في السعي إلى تأمين وجود أوروبي داخل المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، دعماً للجهود الأميركية، مشيرة إلى أن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أبدى اهتمامه بهذه الفكرة، كذلك فإن قمة دبلن المنعقدة في الخامس من أكتوبر ناقشت إمكان تعيين مبعوث أوروبي خاص لهذه المهمة.
إسرائيل ترفض الطرف الثالث
بحسب ما كشفته الوثائق البريطانية، فقد ورد فيها أن مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى روبرت بيلترو، رأى أن الموقف الإسرائيلي الرافض لوجود طرف ثالث على طاولة المفاوضات يستند إلى مبررات مفهومة، باعتبار أن المفاوضات ذات طبيعة ثنائية، وأن التوصل إلى الاتفاقات يجب أن يبقى من اختصاص الأطراف التي ستلتزم نتائجها، لكنه أشار في المقابل إلى خصوصية الوضع القائم، موضحاً أن فريق التفاوض الإسرائيلي الجديد يفتقر إلى الخبرة والمعرفة المتراكمة التي امتلكها الفريق السابق، مما جعل دينيس روس وفريقه الأميركي الأكثر إلماماً بتفاصيل الاتفاقات، مما دفع الولايات المتحدة إلى الاضطلاع بأدوار الميسر والمرشد والوسيط النزيه، على رغم رغبتها في تقليص هذه الأدوار مستقبلاً، مع اعتبارها ضرورية في المرحلة الراهنة.
وتقول الوثائق البريطانية إن بيلترو أوضح أن الولايات المتحدة استطاعت أداء هذا الدور بفضل علاقاتها التقليدية الوثيقة مع إسرائيل، وأنه من غير الواقعي توقع قبول إسرائيل بتوسيع هذا الدور ليشمل الشريك الراعي الآخر أو الاتحاد الأوروبي، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة استمرار الاتحاد الأوروبي في دعم ياسر عرفات خلال المراحل الحرجة عبر أدوات مثل إعلان الأول من أكتوبر والمساعدات الأوروبية، إلى جانب مواصلة الضغط على إسرائيل في شأن العراقيل التي تواجه الدور الأوروبي، ولا سيما القيود المفروضة على برامج المساعدات.

ورجحت الوثائق البريطانية أن بيلترو لم يستبعد إمكان أن يحقق تعيين مبعوث أوروبي خاص بعض الفوائد المحدودة باعتباره قناة لنفوذ الاتحاد الأوروبي في المنطقة، لكنه رأى أن مصدر قوة الاتحاد الأوروبي يكمن في تحركه الجماعي، وأن مبعوثاً واحداً سيكون أكثر عرضة للتهميش من الزيارات المتتالية لوزراء خارجية الدول الأوروبية.
وأكدت الوثائق أن الترويكا الأوروبية أقرت بأهمية الدور الأميركي في عملية السلام، لكنها رأت أن الوقت قد حان لكي تتجاوز واشنطن دور “الميسر” وأن تمارس ضغوطاً حقيقية على الأطراف، بينما أصر بيلترو على أن الولايات المتحدة تقوم بذلك بالفعل.
واختتمت الوثائق هذا الجزء بالإشارة إلى أن بيلترو اعتبر الانتخابات الفلسطينية عام 1995 بداية تحول في نمط القيادة الفلسطينية، بعيداً من الإدارة الشخصية التي اتسم بها أسلوب ياسر عرفات، نحو قيادة جماعية أكثر وعياً بأنها تستند إلى تفويض شعبي، ورأى أن عرفات قد لا يتمكن من التكيف مع هذا التحول، إلا أن مساعديه يستحقون التشجيع لمواصلة بناء المؤسسات الفلسطينية.
مسارا السلام اللبناني والسوري
وإلى جانب المساعي السياسية لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، تناولت الوثائق ملفي سوريا ولبنان وجهود استئناف المفاوضات مع إسرائيل، إذ ذكرت أن روبرت بيلترو رأى أن العقبة الأساسية أمام استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية تمثلت في إصرار دمشق، الذي تكرر خلال اجتماع بين وزير الخارجية الأميركي آنذاك وارن كريستوفر ونظيره السوري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على استئناف “محادثات واي” من النقطة نفسها التي توقفت عندها في مارس (آذار) 1995، وهو ما اعتبره موقفاً يتناقض مع الموقف السوري السابق خلال المفاوضات، عندما كانت دمشق تؤكد أن شيئاً لا يعد متفقاً عليه إلى أن يتم الاتفاق على كل شيء. وأضاف أن الولايات المتحدة كانت تحاول إيجاد أرضية وسط يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لاستئناف المحادثات، إلا أن الجانب السوري لم يقدم أي مقترحات بهذا الشأن.
وبحسب الوثائق فإن بيلترو أعرب عن اعتقاده أن المقترح الإسرائيلي المعروف باسم “لبنان أولاً” ربما كان سيحظى بفرصة أفضل لو لم يحمل تلك التسمية التي وصفها بأنها كانت سيئة إلى حد كبير.
وكشفت الوثائق أن بيلترو أحيط علماً بالمحادثات الاستكشافية التي أجرتها المفوضية الأوروبية مع سوريا، موضحاً أن الولايات المتحدة كانت تأمل في أن تسهم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودمشق في دفع سوريا بعيداً من “دعم الإرهاب” وتقريبها من دعم عملية السلام، فيما ردت الترويكا الأوروبية بأن سياسة الاتحاد تهدف بالفعل إلى إدماج سوريا في التيار المعتدل.
وذكرت الوثائق البريطانية أن بيلترو أبلغ الترويكا بأن الولايات المتحدة ستتواصل مع عدد من الحكومات قبل اجتماعات نادي باريس الخاصة بسوريا، لتأكيد أن أي إعادة جدولة للديون السورية ينبغي أن تكون مشروطة بالتزام دمشق بمتطلبات صندوق النقد الدولي.

وأضافت الوثائق أن بيلترو أرجع التأجيل الثاني لمؤتمر “أصدقاء لبنان” إلى المشكلات التي ظهرت في شأن مستوى تمثيل الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن نجاح المؤتمر كان يتطلب مشاركة الاتحاد الأوروبي والطرف الراعي الآخر على مستوى وزراء الخارجية، إضافة إلى حضور عدد كاف من وزراء الخارجية الأوروبيين، على رغم أن المؤتمر كان قد صمم في الأساس ليعقد مرة واحدة فحسب، مع عدم استبعاد إمكان تنظيمه مجدداً، وربما في إحدى العواصم الأوروبية. وفي الوقت نفسه أوضح أن واشنطن كانت تخطط لإظهار دعمها للبنان من خلال زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء رفيق الحريري إلى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث كان من المرجح أن يستقبله الرئيس بيل كلينتون.
وأكدت الوثائق أن الترويكا الأوروبية شددت على أهمية عقد مؤتمر “أصدقاء لبنان” في أقرب وقت، باعتباره رسالة سياسية مهمة لدعم السيادة اللبنانية، موضحة أن الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي ستمثل، إذا أمكن، بالسيد سبرينغ، في حين بدا أن سوء فهم قد وقع في شأن مستوى مشاركة الدول الأعضاء، إذ كان متوقعاً أن يشارك معظمها على مستوى كبار المسؤولين وليس على مستوى وزراء الخارجية.
وتبين من الوثائق أن الاتحاد الأوروبي لن يكون قادراً على الإعلان عن تعهدات مالية جديدة تتجاوز حجم مساعداته الكبيرة القائمة للبنان، إلا أنه سيعمل على حشد استثمارات وموارد إضافية من الدول والجهات المانحة الأخرى، وأشارت الترويكا إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد تعهدت بتقديم قائمة بمشروعات البنية التحتية المطلوب دعمها بدلاً من طلب مبلغ مالي محدد، غير أن هذه القائمة لم تكن قد أنجزت بعد.
وأوضحت الوثائق أن بيلترو أكد أن التعهد المالي الأميركي للبنان سيكون محدوداً، ويتراوح على الأرجح بين 10 و15 مليون دولار سنوياً أعواماً عدة، إضافة إلى برامج المساعدات الأميركية القائمة.
ووثقت الوثائق أن بيلترو وصف لجنة مراقبة وقف إطلاق النار بأنها أثبتت فاعليتها كآلية لإدارة النزاع ضمن حدود ولايتها المحدودة، مشيراً إلى أن النقاشات الحادة داخل اللجنة حالت في أكثر من مناسبة دون تحول التوترات الميدانية إلى مواجهات عسكرية أوسع.
“صدام لم يتخل عن طموحاته”
جانب من الوثائق تركزت على الملف العراقي في ذلك التوقيت، وهو ما ظهر من خلال تقديم المسؤول الأميركي بيلترو عرضاً للتطورات الأخيرة في العراق والردود الأميركية عليها، موضحاً أن واشنطن كانت تدرك أن عملياتها العسكرية في جنوب العراق، التي جاءت رداً على التحركات العسكرية العراقية في شمال البلاد، قد لا تحظى بتأييد دولي واسع، إلا أنها رأت أن عدم الرد كان سيشجع بغداد على اتخاذ خطوات إضافية، مؤكداً أن صدام حسين لم يتخل عن طموحاته.
وأضافت الوثائق أن الولايات المتحدة كانت تجري اتصالات مع كل من مسعود بارزاني وجلال طالباني لاستكشاف سبل إعادة الاستقرار إلى شمال العراق، لكنها أشارت إلى وجود عوامل معقدة عدة، من بينها احتمال إعادة تنظيم طالباني لقواته بدعم إيراني بعد انتقاله إلى الحدود الإيرانية، واستمرار وجود عناصر أمنية واستخباراتية عراقية في الشمال على رغم انسحاب القوات الحكومية، فضلاً عن تنامي التعاون بين تركيا وبارزاني.
وأكدت الوثائق أن الولايات المتحدة سعت إلى إقناع طالباني بقبول ترتيبات سبق أن وافق عليها بارزاني، تقضي باستمرار دور الاتحاد الوطني الكردستاني بوصفه تنظيماً مدنياً، في حين كان بارزاني يعمل على ترميم علاقاته مع واشنطن بعد استعانته بالدعم العراقي، كما جددت الإدارة الأميركية تمسكها بوحدة الأراضي العراقية ورفضها لأي وجود تركي دائم في شمال العراق أو لأي انتهاكات لحقوق الإنسان هناك.

وتضمنت الوثائق رسالة أوضحت فيها واشنطن أنها تتعامل بحذر مع مسألة إجلاء العاملين المحليين في المنظمات الإنسانية الأميركية، وأنها لا تستطيع التمييز بينهم وبين الموظفين الأميركيين المباشرين، لكنها فضلت التحرك تدريجاً مع متابعة التطورات، بعدما طلبت في المرحلة الأولى قوائم بأسماء الأشخاص المعنيين، وهي مهمة واجهت صعوبات بسبب طبيعة البنية الأسرية المحلية، كما أشارت إلى أن تعهد بارزاني بحماية العاملين واستئناف المنظمات الأوروبية غير الحكومية نشاطها أسهما في تهدئة مخاوف العاملين مع المنظمات الأميركية.
وأكدت الوثائق أن الترويكا الأوروبية جددت التزام الاتحاد الأوروبي بوحدة الأراضي العراقية، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أنها لم تعتمد موقفاً أوروبياً موحداً من العمليات العسكرية الأميركية، إذ كان التعاطف مع دوافعها الإنسانية يقابله قلق في شأن مشروعيتها القانونية في ضوء قرارات مجلس الأمن.
وأضافت الوثائق أن الاتحاد الأوروبي أعرب عن مخاوفه من استمرار التوغلات الإيرانية والتركية في شمال العراق ما دام الفراغ مستمراً في السلطة، مؤكداً أنه، شأنه شأن الولايات المتحدة، يرفض أي وجود تركي دائم، إلا أن حساسية العلاقات الأوروبية التركية حالت دون اتخاذ خطوات احتجاجية رسمية، وأشارت إلى أن عمليات الإجلاء الأميركية أثارت في البداية قلق العاملين المحليين لدى المنظمات الأوروبية، قبل أن تهدأ الأوضاع مع استئناف هذه المنظمات أعمالها الضرورية استعداداً لفصل الشتاء وتنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم 986، بينما اعتبر من الإيجابي حرص واشنطن على تجنب إثارة الذعر بين العاملين في مجال الإغاثة.
ليبيا ومحاولة الخروج من عزلتها
وفي الملف الليبي، أوضحت الوثائق أن الترويكا أطلعت بيلترو على نتائج مهمتها الوزارية إلى ليبيا في يونيو، مؤكدة أن الزيارة جاءت تنفيذاً لتكليف باليرمو، ولم تستهدف تطبيع العلاقات أو إطلاق حوار سياسي شامل، لكنها كشفت عن مؤشرات إيجابية، أبرزها سعي ليبيا إلى الخروج من عزلتها، وإدراكها الفرص التي خسرتها نتيجة بقائها خارج مسار برشلونة، وإدانتها تفجير مانشستر، وتأييدها إعلان قمة القاهرة العربية المعتدل في شأن عملية السلام، وتحسن علاقاتها مع ياسر عرفات، مع تأكيد الترويكا ضرورة التمسك بتنفيذ المطالب الأممية تجاه ليبيا دون دفعها إلى مزيد من العزلة.
وأكدت الوثائق أن بيلترو رفض القول إن ليبيا كانت تتعرض للحصار السياسي، معتبراً أنها تمتلك قنوات عدة للتعاون مع الأمم المتحدة إذا رغبت في ذلك، لكنه أبدى استمرار القلق الأميركي من مساعيها إلى تطوير قدرات إنتاج الأسلحة الكيماوية.

وتطرقت الوثائق كذلك إلى قانون داماتو، إذ تبادل الجانبان مواقفهما المعروفة، وأعربت الترويكا عن رفضها الأثر خارج الحدود الذي ينطوي عليه القانون، معتبرة أنه يهدد العلاقات الأوروبية الأميركية أكثر مما يضر بالاقتصاد الليبي، ودعت واشنطن إلى البحث عن وسائل لتحييد تلك الآثار، مع تأكيد استعداد الاتحاد الأوروبي للتعاون مع الإدارة الأميركية لتقليل الأضرار والحفاظ على متانة العلاقات عبر الأطلسي، بينما رأى بيلترو أن كثيراً من سوء الفهم الذي رافق القانون كان يمكن تجنبه لو بذل الجانبان جهداً أكبر في إبراز حجم التنسيق القائم بينهما وتقارب مواقفهما تجاه الدول المعنية.
واختتمت الوثائق بالإشارة إلى أن الترويكا أطلعت بيلترو على تطورات عملية برشلونة واتفاقات الشراكة الأوروبية المتوسطية، مؤكدة أنه رغم عدم وجود ارتباط مباشر بين هذه العملية وعملية السلام، فقد جرت محاولات لربطهما، إلا أن الاتحاد الأوروبي نجح في إحباط المسعى السوري الرامي إلى تأجيل اجتماع كبار المسؤولين احتجاجاً على تطورات عملية السلام، كذلك فإن مشاركة سوريا في الاجتماعات عكست وجود قناعة متزايدة لدى شركاء المتوسط بأن عملية برشلونة تمتلك قيمة مستقلة تتجاوز مسار السلام في الشرق الأوسط.
اندبندنت عربية



