اخبار ساخنة

بين قدمي أبو الهول.. قصة اللوحة السرية التي لا يراها السياح

في خطوة ترويجية جديدة تعيد تعريف تجربة السياحة الثقافية، استطاعت هيئة تنشيط السياحة المصرية أن تسلط الضوء مجدداً على واحدة من أكثر القطع الأثرية غموضاً في هضبة الجيزة: “لوحة الحلم” (Dream Stele) التي تستقر بين الأقدام الأمامية لتمثال أبو الهول، في منطقة مغلقة لا يسمح بدخولها إلا بتصاريح خاصة. وجاء الترويج من خلال زيارة موثقة لصانع المحتوى المصري حامد الرحمن محمد، الشهير بـ”أحمد المصري”، بالتزامن مع أعمال التطوير الشاملة التي تشهدها منطقة الأهرامات لتحسين تجربة السائحين وتوفير مسارات رؤية جديدة.

وتعود الأهمية التاريخية لهذه اللوحة المصنوعة من الجرانيت، والتي تعود إلى عصر الأسرة الثامنة عشرة، إلى كونها وثيقة ملكية نادرة تروي قصة صعود غير تقليدي للعرش، وتجمع بين الأسطورة الملكية والدعاية السياسية في آن واحد.

أسطورة النوم تحت ظل الإله.. كيف غيّر حلم “تحتمس الرابع” تاريخ مصر؟
تروي نقوش “لوحة الحلم” قصة الأمير الشاب تحتمس الرابع، الذي لم يكن الوريث الشرعي للعرش، حيث نام تحت ظل تمثال أبي الهول، الذي كان يجسّد إله الشمس “حور إم آخت” في المعتقد المصري القديم . في منامه، ظهر له الإله شاكياً من زحف الرمال التي تكاد تبتلع جسده، ووعده بمنحه تاج مصر وملكها الشاسع إذا خلّصه من تلك الرمال المحيطة به .

يقول النقش على اللوحة مخاطباً الأمير: “انظر إليَّ يا ابني تحتمس، أنا أبوك حور إم آخت، سأمنحك ملكي على الأرض عند رأس الأحياء، سترتدي التاج الأبيض والأحمر على عرش جب” .

وبالفعل، نفذ تحتمس الرابع الوعد فور استيقاظه، فأزال الرمال وقدم القرابين، ليتولى الحكم بعد ذلك رغم أنه لم يكن الوريث الأقرب للعرش . ويُرجح علماء المصريات أن هذه اللوحة كانت بمثابة “دعاية سياسية” ماهرة استخدمها تحتمس لتبرير استيلائه على العرش بعد أن أزاح منافسيه من الأخوة الأكبر سناً .

لوحة من الجرانيت بين الكفوف.. تفاصيل معمارية فريدة
تعتبر “لوحة الحلم” تحفة معمارية ونقشية فريدة، فهي لوحة ضخمة من الجرانيت الوردي، يبلغ ارتفاعها حوالي 3.6 أمتار، نُصبت بين كفي أبي الهول الأماميتين . ويُعتقد أنها أُعيد استخدامها من عتب باب كان ينتمي أصلاً إلى المعبد الجنائزي للملك خفرع، باني الهرم الثاني .

اللوحة مقسمة إلى جزأين: الجزء العلوي يصور الملك تحتمس الرابع وهو يقدم القرابين لأبي الهول، بينما يحتوي الجزء السفلي على النقوش الهيروغليفية التي تروي قصة الحلم. ولا تزال هذه النقوش تحتفظ بقدر كبير من وضوحها رغم مرور أكثر من 3400 عام على نحتها .

تجربة سياحية حصرية.. كيف يمكن للزوار الوصول إلى اللوحة؟
في الوقت الذي يستطيع فيه السياح العاديون رؤية اللوحة من مسافة بعيدة فقط، توفر بعض شركات السياحة المتخصصة جولات حصرية بنظام “VIP” تسمح بدخول المنطقة المحيطة بأبي الهول والوقوف بين كفيه، ولمس اللوحة عن قرب .

تتطلب هذه التجربة الحصول على تصاريح خاصة من وزارة السياحة والآثار وشرطة السياحة، وتكون مدتها عادة ساعة واحدة، وتتم غالباً في أوقات غير ذروة الزيارة (صباحاً باكراً أو عند الغروب) لتجنب الحشود . ويتراوح سعر التصريح الخاص للوصول إلى هذه المنطقة بين 100 و200 دولار أمريكي للشخص الواحد، وقد تصل تكلفة التصريح الخاص للمجموعة إلى 3500 دولار في بعض الحالات .

أبو الهول في عيون المصريين القدماء.. رمزية متجددة
لم يكن أبو الهول مجرد تمثال للملوك المصريين القدماء، بل كان يُنظر إليه كإله حي يتحدث ويعد ويحقق الأحلام. قصة لوحة الحلم تجسّد هذا الاعتقاد، حيث تحول التمثال إلى وسيط بين العالم البشري والعالم الإلهي، يمنح الشرعية لمن يستحقها من الملوك. كما أن قصة “تحتمس الرابع” تذكّرنا بأن الحلم أحياناً يكون الباب الذهبي لتغيير المصير، حين يُقترن بالإرادة والعمل الجاد.

بين الماضي والحاضر.. رسالة سياحية جديدة
تسعى السلطات السياحية المصرية من خلال فتح هذه المواقع الاستثنائية أمام صناع المحتوى والمنصات الرقمية إلى إبراز التفاصيل الهندسية والأثرية الدقيقة لأبو الهول، وكشف الزوايا غير التقليدية للمزارات الفرعونية الكبرى، في محاولة لجذب شريحة جديدة من السياح الباحثين عن تجارب فريدة تتجاوز المشاهدة التقليدية إلى التفاعل العميق مع التاريخ. وتظل “لوحة الحلم”، التي صمدت لأكثر من ثلاثة آلاف عام، شاهداً حياً على قوة الأسطورة في تشكيل واقع سياسي كامل.

إرم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى