زيارة ماكرون لدمشق.. رمزية سياسية تفوق أهدافها المعلنة

في مشهد حمل دلالات سياسية عميقة، حلّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضيفاً على العاصمة السورية دمشق، ليكون بذلك أول رئيس دولة غربية، وعضو في الاتحاد الأوروبي، يزور سوريا منذ رحيل نظام بشار الأسد. هذه الزيارة، التي تأتي بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية، ليست مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل هي انعطافة استراتيجية تعكس تحولاً في الموقف الغربي من الإدارة السورية الجديدة، وتحمل في طياتها رسائل سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز بكثير الأجندة الرسمية المعلنة.
أهمية الزيارة.. رمزية تتجاوز الأهداف المباشرة
يرى الباحث في الفلسفة السياسية رامي خليفة العلي، في حديثه لبرنامج “ستوديو وان مع فضيلة” على قناة سكاي نيوز عربية، أن أهمية زيارة ماكرون “بالمعنى الرمزي أهم بكثير حتى من الأهداف التي قد تقبع وراءها”. ويشير إلى أن الرسالة الفرنسية الداعمة للإدارة الجديدة لم تنتظر هذه الزيارة، بل انطلقت منذ سقوط نظام الأسد ووصول الرئيس أحمد الشرع، حين كان وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا أول من التقى الرئيس الجديد، وتوالت الاتصالات بين الجانبين وصولاً إلى زيارة الشرع لباريس في أيار/مايو 2025.
هذه الزيارة، إذاً، هي تتويج لمرحلة من التقارب التدريجي، وإعلان عن شراكة استراتيجية ناشئة بين دمشق وباريس، في وقت تعيد فيه أوروبا ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط.
أبعاد الزيارة المتعددة.. من السياسة إلى الأمن
يحدد العلي أربعة أبعاد رئيسية لأهداف الزيارة الفرنسية:
1. البعد السياسي:
يتصل بالتنسيق مع الإدارة السورية الجديدة في قضايا إقليمية مصيرية، من الملف اللبناني إلى الملفات الداخلية السورية، مروراً بالحضور الإيراني الذي باتت دمشق طرفاً في التنسيق بشأنه، في تحول لافت يعكس تغيراً في موازين القوى الإقليمية.
2. البعد الأمني:
تتعلق بانضمام سوريا فعلياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، حيث شهدت المنطقة مؤخراً اجتماعاً ضم وزير الدفاع السوري إلى جانب دول تواجه الإرهاب والتطرف، وفرنسا طرف فاعل في هذا التحالف. كما يشمل البعد الأمني ملف المقاتلين الفرنسيين الموجودين في سوريا، الذين تحتويهم السلطات السورية حالياً، بالإضافة إلى ملف العائلات الفرنسية التي انتقل جزء كبير منها إلى العراق، وما زال يمثل نقطة خلاف بحاجة إلى حل بين الطرفين.
3. البعد الاقتصادي والتنموي:
رغم استمرار بعض العقوبات، فإن باريس تبدو مستعدة لدعم المرحلة الانتقالية في سوريا، خاصة مع الإعلان الأخير عن توقيع اتفاقيات في مجالات الطيران والملاحة الجوية، واستعداد سوريا لاستلام 8 طائرات إيرباص، مما يعكس انفتاحاً اقتصادياً فرنسياً واعداً.
4. البعد الإنساني والانتقالي:
تتضمن الزيارة نقاشات حول المرحلة الانتقالية، ودور فرنسا في دعم الاستقرار الداخلي، خاصة في ضوء الأحداث الأخيرة في الساحل والسويداء.
الموقف الغربي من الإدارة السورية.. استقرار لا ديمقراطية
يؤكد العلي أن الموقف الفرنسي، والغربي عموماً، لم يشهد تحولاً كبيراً إزاء أحداث الساحل أو السويداء في تموز/يوليو الماضي، إذ لم تصدر إدانة للإدارة السورية، بل ساد إيمان بلجان التحقيق التي أعلنتها دمشق، مع بعض الانتقادات التي خفتت سريعاً. ويشير إلى أن فرنسا لم تتخذ موقفاً مناهضاً للإدارة خلال المواجهة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بل لعبت دوراً وساطياً سعياً للتوصل إلى اتفاق.
ويوضح الباحث أن الولايات المتحدة والدول الغربية تراهن على الرئيس الشرع تحديداً، وقررت تخفيف العقوبات على هذا الأساس، مشدداً على أن هذه الدول “ليست معنية بترسيخ الديمقراطية بقدر ما هي معنية بالاستقرار”، وترى في الإدارة الحالية عنوانه الأوحد. ويضيف أن باريس، رغم إقرارها بوجود أزمات، تعتقد أنها في طريقها إلى الحل، وأن الرئيس الشرع أظهر مرونة كافية لمواجهتها، وهو ما أقنع الأطراف الأميركية والفرنسية والأوروبية.
الملفات الأكثر إلحاحاً.. ترامب وإسرائيل والعقوبات
في سياق متصل، يعتبر العلي أن اللقاء المرتقب بين الرئيس الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب بالغ الأهمية، في ظل نقاش إقليمي ودولي حول الدور السوري المستقبلي. ويستشهد بزيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، التي عكست مقاربة سورية جديدة تجاه الملف اللبناني بطلب أميركي مباشر.
ويشير إلى أن بعض العقوبات لا تزال قائمة، لكن الملف الأكثر إلحاحاً الذي يفرض نفسه في لقاءات باريس وواشنطن هو العلاقة مع إسرائيل، في ظل التعديات الأمنية التي شهدها جنوب سوريا مؤخراً، والتي يصفها العلي بأنها “معضلة أمنية وسياسية واستراتيجية”. وتتمثل الرغبة السورية في أن يسهم الطرفان الأميركي والفرنسي في التهدئة والتوصل إلى اتفاق أمني يحمي السيادة السورية ويمنع التصعيد.
دمشق تعود إلى خريطة الغرب.. والشرع محور الرهانات
زيارة ماكرون إلى دمشق ليست حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل هي لحظة مفصلية تعكس تحولاً في النظرة الغربية إلى سوريا الجديدة، وتؤكد أن الرئيس أحمد الشرع أصبح شريكاً معترفاً به في المعادلة الإقليمية والدولية. فبين الضغط الأميركي لتخفيف العقوبات، والدعم الفرنسي للاستقرار، والوساطة الأوروبية في الملفات العالقة، تبدو سوريا تسير بخطى ثابتة نحو استعادة دورها الإقليمي، وإن كانت الطريق ما زالت محفوفة بالتحديات، من العقوبات المتبقية إلى الملف الإسرائيلي الشائك.
السؤال الأكبر اليوم: هل ستكون هذه الزيارة بوابة لانفراجة أوروبية أوسع، أم أنها مجرد بداية لمفاوضات طويلة ومعقدة؟ الأيام القادمة، واللقاءات المرتقبة مع ترامب وقادة آخرين، ستكشف عن الإجابة.
س



