هاجس الحالمين بالثروة.. ازدهار تجارة أجهزة الكشف عن المعادن الثمينة في سوريا

في مشهد يعكس واقعاً اقتصادياً متأزماً، تحولت أجهزة الكشف عن المعادن الثمينة إلى هوس جماعي في سوريا، حيث يراها الكثيرون بوابة العبور من الفقر إلى الثراء، فيما تحاول الجهات الرسمية كبح جماح هذه الظاهرة التي تهدد التراث الوطني وتُفقد البلاد كنوزها التاريخية.
إعلانات “تقبر الفقر” تغزو السوشيال ميديا
يتصفح السوري اليوم منصات التواصل الاجتماعي فيجد عشرات الإعلانات التي تروّج لأجهزة كشف المعادن، وتزعم قدرتها على تحديد أماكن الذهب بدقة متناهية، وتمييز المعادن الثمينة من الرخيصة. ويذهب بعض المروجين إلى حد وصفها بأنها “تقبر الفقر”، مستغلين أحلام المواطنين بالثراء السريع في ظل أوضاع معيشية صعبة .
ويشير تقرير صادر عن المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) بالتنسيق مع الأمم المتحدة بين عامي 2025 و2026، إلى ظاهرة مثيرة للقلق تتمثل في بيع هذه الأجهزة علناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي في المدن السورية الكبرى، لاستخدامها في التنقيب غير الشرعي عن الآثار .
الفقر يدفع السوريين للتنقيب غير المشروع
ويرجع مقتنو هذه الأجهزة سلوكهم إلى الفقر والبطالة والظروف الاقتصادية القاسية التي تمر بها سوريا، حيث انخفض دخل الفرد إلى مستويات لا تتناسب مع تكاليف المعيشة. وتقول الأمم المتحدة إن قرابة 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، وهو ما يدفع الكثيرين للمجازفة بالتنقيب غير القانوني أملاً بتحسين أوضاعهم .
ويحكي “أبو هاني” لـ”إرم نيوز” قصته قائلاً: “استدنت ثمن جهاز التنقيب عن المعادن الثمينة، وكلي أمل بالعثور على لقى ودفائن تغير مسار حياتي للأفضل”. ويستدل بما جرى مع جاره الذي عثر على عدة قطع باعها بآلاف الدولارات، مما انقلبت حياته رأساً على عقب، فصار يملك سيارة ومنازل متعددة .
آثار سوريا تنهب منذ 15 عاماً
وتشير تقارير الأمم المتحدة الصادرة منذ عام 2014 إلى تعرض الآثار السورية للنهب في كثير من المواقع خلال الـ15 عاماً الماضية، مع تحذيرات من تضرر المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي. وتؤكد تقارير اليونسكو أن حجم الضرر الذي لحق بالآثار السورية كبير، حيث هُرّبت وبيعت آلاف القطع الأثرية في الأسواق الخارجية، بسبب انتشار التنقيب غير الشرعي وشبكات الاتجار بالآثار .
وتحول حلم الثروة إلى هاجس في مختلف المناطق السورية، حيث تعرضت المواقع الأثرية لحفريات واضحة في المناطق الوسطى والجنوبية والشمالية، مما يشكل تهديداً مباشراً للذاكرة التاريخية للبلاد .
الحكومة تشدد الرقابة وتحد من الاستيراد
في خطوة تهدف إلى كبح جماح الظاهرة، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة قراراً بحصر استيراد أجهزة الكشف عن المعادن بالجهات الحكومية فقط، وذلك بالتزامن مع ازدياد عمليات التنقيب والبحث غير المشروع عن الآثار والمعادن الثمينة في سوريا .
وقالت الوزارة إن استيراد هذه الأجهزة سيُحصر بالجهات الحكومية وبموافقة مسبقة من وزارة الداخلية، محذّرة من أن بعض هذه الأجهزة يُستخدم في عمليات التنقيب غير المشروع عن الذهب والآثار. وأضافت أن أحكام التجارة الخارجية ستُعدّل بما ينسجم مع مضمون القرار .
وتأتي هذه الخطوة “في إطار الجهود الحكومية لضبط عمليات التنقيب غير المشروع عن الآثار، والتي تؤدي إلى تدمير المواقع الأثرية وتهديد الاقتصاد الوطني” .
عقوبات رادعة وتعاون دولي لحماية التراث
وتعمل المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا على التنسيق مع الإنتربول الدولي واليونسكو للحد من تهريب الآثار واستعادة القطع المبيعة للخارج. كما تحاول وزارة الداخلية الحد من انتشار التنقيب غير الشرعي، حيث قبضت على العديد من حاملي أجهزة الكشف أثناء تنقيبهم داخل الأراضي الزراعية والأماكن التي يُعتقد وجود الآثار والكنوز فيها .
لكن القوانين الرادعة والعقوبات ليست كافية حتى الآن للحد من هذه الظاهرة، فالمنقبون غير الشرعيين ما زالوا ينتشرون، وتُملأ المنصات بإعلانات الترويج لأجهزة الكشف عن المعادن الثمينة، التي أصبحت تجارة رائجة لا تتوقف عند حد البيع فقط، بل تطورت إلى مهنة تأجير هذه الأجهزة باليوم أو الساعة لمن لا يستطيعون شراءها .
جهود حماية الآثار تواجه تحديات كبيرة
وتبدو الآثار السورية بحاجة لجهود كبيرة حتى تتم حمايتها بالشكل الكافي، لكن كثرة المواقع الأثرية وانتشار الآثار في المناطق السكنية يجعل المهمة صعبة، لأنها تحتاج إلى عدد كبير من الكوادر وعناصر الشرطة، بالإضافة لحملات التوعية بين السكان لتعريفهم بقيمة تراثهم الوطني، وأهمية الحفاظ عليه للأجيال القادمة، بدلاً من استغلاله لتحقيق مكاسب مادية آنية .
إرم نيوز



