خبير : الاقتصاد السوري يحتاج حتى 15 مليار دولار سنوياً.. والموارد لا تغطي سوى ثلث الاحتياجات

تواجه سوق القطع الأجنبي في سورية ضغوطاً متواصلة تعكس اختلالاً أعمق من مجرد تقلبات في سعر الصرف، إذ بات الاقتصاد يستهلك كميات من العملات الأجنبية تفوق بكثير قدرته على توليدها، ما يوسع الفجوة التمويلية ويضع الليرة السورية تحت ضغط دائم.
وفي حديثه لصحيفة “الوطن”، أوضح أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الاقتصاد السوري يحتاج سنوياً إلى ما بين 12 و15 مليار دولار لتغطية متطلباته الأساسية، في حين لا تتجاوز الموارد المتاحة من القطع الأجنبي 3 إلى 4 مليارات دولار، ما يعني وجود فجوة تمويلية تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار سنوياً.
لماذا يحتاج الاقتصاد إلى هذا الحجم من الدولار؟
وأشار محمد إلى أن الطلب على العملات الأجنبية لا يقتصر على تمويل الواردات، بل يمتد ليشمل لجوء الأفراد والشركات إلى الدولار باعتباره وسيلة لحفظ القيمة في ظل تراجع الثقة بالعملة المحلية.
وبيّن أن استيراد المشتقات النفطية والغاز يمثل أكبر بند في فاتورة الطلب على القطع الأجنبي، إذ تتجاوز احتياجات هذا القطاع وحده 3 إلى 4 مليارات دولار سنوياً نتيجة محدودية الإنتاج المحلي.
وأضاف أن تأمين المواد الغذائية الأساسية، مثل القمح والسكر والأرز والزيوت، يتطلب ما بين ملياري دولار و2.5 مليار دولار كل عام، في وقت يحتاج فيه القطاعان الزراعي والصناعي إلى مبالغ إضافية لاستيراد المواد الأولية والأسمدة والأدوية البيطرية والكيماويات وقطع الغيار اللازمة لاستمرار الإنتاج.
وأكد أن جانباً مهماً من الطلب على الدولار لا يرتبط بالتجارة الخارجية، وإنما باتجاه الأفراد والمؤسسات إلى الاحتفاظ بالعملة الأجنبية كملاذ آمن، الأمر الذي يزيد الضغوط على سوق الصرف.
موارد محدودة لا تواكب الاحتياجات
وفي المقابل، أوضح محمد أن مصادر القطع الأجنبي المتاحة للاقتصاد السوري ما تزال محدودة مقارنة بحجم الطلب.
وأشار إلى أن الصادرات السورية تحقق ما بين مليار ومليار ونصف المليار دولار سنوياً، وتشمل منتجات مثل الفوسفات وزيت الزيتون والخضراوات والألبسة، لافتاً إلى أن جزءاً من عائداتها لا يدخل إلى القنوات الرسمية.
وأضاف أن تحويلات السوريين المقيمين في الخارج تُقدّر بنحو 1.5 إلى ملياري دولار سنوياً، إلا أن نسبة كبيرة منها تمر عبر شبكات تحويل غير رسمية، وهو ما يحرم الاحتياطيات الرسمية من الاستفادة منها.
ولفت أيضاً إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر لا يزال عند مستويات محدودة، ويتركز في شراء العقارات وبعض الأصول، بينما تبقى الإيرادات المتأتية من الرسوم الجمركية والخدمات بالدولار ذات تأثير محدود.
وبحسب تقديراته، فإن إجمالي الموارد السنوية من العملات الأجنبية لا يتجاوز 3 إلى 4 مليارات دولار، وهو رقم يقل كثيراً عن الاحتياجات الفعلية للاقتصاد.
فجوة تمويلية تضغط على الليرة
ويرى محمد أن الفارق الكبير بين حجم الطلب والموارد المتاحة يفسر استمرار الضغوط على سعر صرف الليرة السورية، ويحد من قدرة مصرف سورية المركزي على التدخل الفعال في السوق.
وأضاف أن اللجوء إلى التمويل التضخمي لتغطية العجز يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية بالليرة، وهو ما يرفع الطلب على الدولار ويغذي الضغوط المستمرة على سوق الصرف.
وأكد أن الاقتصاد السوري يستهلك من العملات الأجنبية ما يقارب ثلاثة أضعاف ما ينتجه أو يستقطبه سنوياً، وهو ما يجعل تحقيق استقرار دائم في سعر الصرف مهمة بالغة الصعوبة.
مخاوف من تراجع موارد الدولار
وحذر محمد من احتمال تعرض بعض مصادر القطع الأجنبي لمزيد من الضغوط خلال الفترة المقبلة، موضحاً أن تحويلات المغتربين قد تتراجع نتيجة الأوضاع الاقتصادية في عدد من الدول المستضيفة، إلى جانب تشديد الرقابة على عمليات التحويل المالي.
كما أشار إلى أن استمرار مشكلات البنية التحتية وارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص مصادر الطاقة يضعف القدرة التنافسية للمنتجات السورية، ويحد من فرص زيادة الصادرات.
كيف يمكن تقليص الفجوة؟
وأكد محمد أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات اقتصادية شاملة، معتبراً أن الحل لا يكمن في الإجراءات النقدية وحدها، بل في إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية.
ودعا إلى الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة لتقليص فاتورة استيراد المشتقات النفطية، بما يوفر مليارات الدولارات سنوياً، إلى جانب إنشاء صندوق للاستقرار النقدي يعتمد على موارد حقيقية.
كما شدد على أهمية تشجيع السوريين في الخارج على تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية من خلال توفير أسعار صرف منافسة وضمان حرية التصرف بالتحويلات.
وأشار أيضاً إلى ضرورة دعم القطاع الزراعي لتحقيق الاكتفاء من المحاصيل الأساسية، والحد من استيراد الغذاء، إضافة إلى ضبط التمويل التضخمي، وترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الإيرادات عبر توسيع النشاط الإنتاجي والاستثماري.
وختم محمد حديثه بالتأكيد على أن أزمة سعر الصرف ليست سوى انعكاس لاختلالات هيكلية يعاني منها الاقتصاد السوري، مشيراً إلى أن استقرار الليرة لن يتحقق بصورة مستدامة إلا من خلال اقتصاد قادر على زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتوليد موارد حقيقية من العملات الأجنبية، لأن الحل، بحسب تعبيره، يبدأ بإنتاج الدولار لا بالبحث عنه.
الوطن



