الاخبار

إسرائيل والتحوّل السوري: مكاسبُ غير محسوبة

شكّل سقوط النظام السابق في سوريا نهاية عام 2024، الحدث السياسي الأبرز في المنطقة في خلال الألف يوم الماضية، وأكبر تحوّل في خارطتها، إذ انتقلت سوريا، به، من كونها شريكاً استراتيجياً للمقاومة وإحدى ركائز الحلف الإيراني، إلى ساحة تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بشتّى الوسائل المُتاحة، فيما برزت إسرائيل باعتبارها الرابح الأكبر من هذا التحوّل، بعدما باتت تحظى بحضور غير مسبوق في الملفّ السوري.
ومع سقوط النظام، شنّت إسرائيل أكبر عملية جوية في تاريخها ضدّ سوريا، استهدفت فيها معظم قدرات الجيش السوري المنحلّ، مدمّرةً أنظمة الدفاع الجوي، ومنشآت البحوث العلمية، ومخازن الصواريخ، والقطع البحرية العسكرية، وغيرها من الأهداف العسكرية. ولم تكتفِ بذلك، بل تقدّمت قواتها لتحتلّ مناطق واسعة في الجنوب السوري، شملت قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، وأجزاء واسعة من محافظتَي القنيطرة ودرعا وريف دمشق، بما فيها من مصادر المياه العذبة، كما فرضت منطقة منزوعة من السلاح الثقيل. أيضاً، دعمت إسرائيل إقامة «إدارة ذاتية» في السويداء، مستفيدةً من المجازر التي تعرّض لها الدروز في المحافظة خلال شهر تموز من العام الماضي – على يد فصائل تابعة أو مرتبطة بالسلطات الانتقالية الجديدة -، الأمر الذي منح الدولة العبرية، للمرّة الأولى منذ قيامها، نفوذاً وتأثيراً مباشرَيْن في الملفّ السوري. وبالإضافة إلى توسيع نفوذها داخل سوريا، روّجت إسرائيل لرواية تتحدّث عن «خطر سنّي تمثّله تركيا» في سوريا، وبرّرت من خلاله هجمات حالت دون تمدّد أنقرة عسكرياً داخل الأراضي السورية، وحصرت الوجود العسكري التركي في الشمال السوري.

 

في هذا الوقت، لم يبدُ توجّه السلطات الانتقالية الجديدة نحو الانخراط في المعسكر الأميركي أمراً مفاجئاً، في ظلّ العداء الذي تبلور بينها وبين إيران و«حزب الله» خلال سنوات الحرب التي عاشتها سوريا منذ عام 2011، والتي قدّمت فيها إيران والحزب الدعم للنظام السابق. وبصرف النظر عن أسباب سقوط النظام والدورَين الإسرائيلي والأميركي فيه، فقد أدّى ذلك التحوّل إلى قطع طرق إمداد المقاومة عبر سوريا، وهو ما عجزت عنه سنوات طويلة من القصف الإسرائيلي المتكرّر واستهداف ممرّات الإمداد. أيضاً، فقدت المقاومة في لبنان الدعم السياسي الذي كانت تقدّمه لها دمشق، في وقت وجد فيه خصومها في النظام الجديد شريكاً لم يكن في الحسبان. وتجلّى ما تَقدّم بوضوح في سلسلة الزيارات التي أجراها مسؤولون وسياسيون لبنانيون إلى العاصمة السورية للقاء الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، الذي رفع شعار «سوريا أولاً» منذ تولّيه السلطة، معلناً أن أولويته ستقتصر على إعادة بناء الدولة داخل حدود سوريا. وانعكس التوجّه المذكور في تشديد الرقابة على الشريط الحدودي مع لبنان، وإرسال قوات لضبط الحدود وتأمينها، والإعلان عن ضبط عدد من الأنفاق التي كانت تربط بين البلدَين.

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، وعودة اشتعال جبهة الجنوب اللبناني على وقع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرّة، عاد الحديث مُجدّداً عن دور سوري أوسع في الملف اللبناني، خصوصاً في ظلّ رغبة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في استخدام الورقة السورية للضغط على إسرائيل، في سياق محاولاته فرض وقف لإطلاق النار ترفض تل أبيب الالتزام به. وفي حين أعلنت دمشق وتل أبيب رفضهما أيّ دور عسكري سوري في لبنان، فتح البند الرابع من الاتفاق الذي وقّعته السلطة اللبنانية مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، الباب أمام احتمال قيام سوريا بدور عسكري في لبنان؛ إذ ينصّ البند المذكور صراحة على «طلب حكومة لبنان دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب، تحت قيادة الولايات المتحدة، لاحتكار الدولة استخدام القوة وتحقيق نزع السلاح الكامل»، علماً أن الشرع كان أكّد أن أيّ دور سوري في لبنان لن يتمّ إلّا بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، مُمثَّلةً برئاسة الجمهورية والحكومة.
ورغم أن خيار انخراط سوريا عسكرياً في لبنان للضغط على «حزب الله» يُطرح بوصفه أحد السيناريوات المحتملة، فإن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة قد تدفع نحو انفجار إقليمي واسع، تتداخل فيه أطراف وقوى متعدّدة، بدءاً من الردّ الإيراني المحتمل، وصولاً إلى تدخّل غير مستبعد من فصائل عراقية؛ كما أن من شأنه ربّما إعادة استدراج واشنطن إلى المنطقة التي عملت على تخفيف وجودها المباشر فيها، عبر سحب قواتها من مناطق واسعة في العراق وسوريا، مع الإبقاء على قدرة تنفيذ ضربات جوية محدودة ضدّ أهداف منتقاة بين حين وآخر. وفي ذلك المناخ، جاءت الزيارة الأولى من نوعها لوزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، إلى العاصمة السورية دمشق، الإثنين الماضي، بعد يوم واحد فقط من أخرى قام بها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى بغداد، في تعاقب فتَح الباب أمام تكهّنات بشأن نقل بغداد رسائل إيرانية إلى دمشق، من دون صدور أيّ تأكيد أو نفي رسمي سوري لهذه الرواية.

الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى