بعد 135 عاما.. البابا يطلق تحذيره الأهم فهل يستجيب العالم؟

في مشهد يعيد إنتاج نفسه عبر العصور، يقف البابا ليو الرابع عشر اليوم حيث وقف سلفه البابا ليو الثالث عشر قبل 135 عاماً، كلاهما يواجه عالماً تهتز فيه أسس الحياة تحت وطأة ثورة تقنية غير مسبوقة. فإذا كان البابا الثالث عشر قد واجه زحف الآلة البخارية والثورة الصناعية التي اجتاحت أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، فإن البابا الجديد – وهو أمريكي الجنسية، حمل اسم روبرت بريفوست قبل اعتلائه السدة البابوية – يقف اليوم في مواجهة مدّ الذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل الوجود الإنساني بوتيرة لا تقل عنفاً واضطراباً.
ليو الثالث عشر.. بابا العمال في وجه الثورة الصناعية
اختار البابا ليو الرابع عشر لنفسه اسماً حمل إرثاً ثقيلاً؛ فسلفه ليو الثالث عشر (1876-1903) دخل التاريخ بلقب “بابا العمال” و”بابا الشعب”، بعدما أطلق في مايو 1891 رسالته البابوية الشهيرة “Rerum Novarum” (الشؤون الحديثة)، التي وضعت الكنيسة في موقع وسطي بين رأسمالية متوحشة وشيوعية صاعدة، وأعلنت وقوفها إلى جانب الفقراء والعمال في ذروة الثورة الصناعية.
لم تكن تلك الثورة مجرد تطوير في وسائل الإنتاج، بل كانت زلزالاً حضارياً غيّر طريقة عيش الناس وعملهم وتفكيرهم. اجتاحت الآلات الأرياف، وحوّلت المجتمعات المسيحية التقليدية إلى جيوش من العمال المهمشين، وزرعت الشك في قلوب المؤمنين، بينما تخلت الدولة عن مواطنيها والتحمت بمصالح الرأسماليين.
رسالة من زمن الآلة إلى زمن الخوارزميات
بعد 135 عاماً بالضبط، وتحديداً في مايو 2026، أصدر البابا ليو الرابع عشر رسالته البابوية الجديدة بعنوان “Magnifica Humanitas” (الإنسانية الرائعة)، وكأن التاريخ يعيد نفسه: فالذكاء الاصطناعي اليوم يهدد باجتياح حقائق الإنسان، كما هددت الآلة البخارية حينها باجتياح كرامته. وفي رسالته التي تجاوزت 43 ألف كلمة، حذّر البابا الجديد من “خطيئة بابل” مجدداً، حيث يحاول البشر – كما فعل أسلافهم – تسلق السماء بتقنياتهم، متجاهلين حدودهم البشرية.
القرن التاسع عشر: حين كانت الآلة هي السيد
شهد القرن التاسع عشر طفرة غير مسبوقة في اختراع آلات الإنتاج، من السفن البخارية إلى السكك الحديدية التي ربطت العالم وفتحت شهية الرأسمالية على مصراعيها. ففي ألمانيا وحدها تجاوزت خطوط السكك الحديدية 40 ألف كيلومتر، وعمل عليها ربع مليون عامل في ظروف قاسية، بينما امتلأت المصانع بالنساء والأطفال الذين تباع جهودهم بثمن بخس، في غياب أي قوانين حمائية.
وتحولت المدن إلى جحيم ملوث: دخان الفحم يغطي السماء، ومياه الشرب تتسمم، وأوبئة السل والكوليرا تعود لتضرب الفقراء، وحتى شوارع نيويورك غرقت في “روث الخيول” مع تنقل الأغنياء بعرباتهم الفاخرة. هذا المشهد الكارثي هو ما دفع الألماني كارل بنز عام 1886 لاختراع أول سيارة تعمل بالوقود السائل، ليفتح بذلك باباً جديداً للرأسمالية واستغلال الطبيعة.
موقف الكنيسة المتأرجح قبل ليو الثالث عشر
لكن الكنيسة لم تكن دائماً في صف المستضعفين. فالبابا غريغوري السادس عشر كان قد أصدر عام 1832 رسالة “Mirari vos” التي شن فيها هجوماً عنيفاً على الشيوعية والليبرالية وحرية التعبير، ودعا إلى الامتثال لرب العمل والسلطات، مستنداً إلى رسالة بولس التي تعلن أن “كل سلطة هي تدبير إلهي”. وفي بريطانيا، انحازت الكنيسة الإنجيلية إلى المصانع، معتبرة أن العبودية والفقر قدر إلهي لا يجوز الاعتراض عليه.
بيان البابا: نقلة نوعية في تاريخ الكنيسة
في مايو 1891، جاء بيان “Rerum Novarum” ليفجر مفاجأة كبرى: نقد حاد للرأسمالية الجشعة، ومنافحة عن حقوق العمال، ودعوة صريحة لتأسيس نقابات تدافع عن الضعفاء، مع التذكير بأن الدولة ملزمة بحماية شعبها، مع احترام حقوق الملكية لكن دون أن تتحول إلى عبادة للربح.
بهذه الرسالة وضع ليو الثالث عشر حجر الأساس لمدرسة “الكاثوليكية الاجتماعية”، التي ألهمت بدورها حركة “الإنجيلية الاجتماعية” في أمريكا، وهي نسخة اشتراكية من البروتستانتية ناضلت من أجل العمال والحقوق المدنية.
أفريقيا: ملاذ الكنيسة الأخير؟
يلفت البابا ليو الرابع عشر في رسالته النظر إلى حقيقة ديموغرافية مهمة: أفريقيا هي القارة الوحيدة التي تنمو فيها الكاثوليكية بوتيرة متسارعة، ويتوقع أن تصبح مركزاً للكنيسة في العقود القادمة. وكأنه يراها ملاذاً بعيداً عن صخب الآلة و”خودام” الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفسر ربما اعتذاره عن حضور احتفالات أمريكا بذكرى استقلالها الـ250، مفضلاً قضاء ذلك اليوم في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، حيث يحتجز اللاجئون الأفارقة، في خطوة عملية تجسد رفضه لسياسات الإقصاء، وتعيد تعريف معنى “بابا الشعب”.
رسالتان في زمنين مختلفين، لكن المخاوف واحدة
ما يجمع بين ليو الثالث عشر وليو الرابع عشر هو الإحساس بالخطر الوجودي الذي يتهدد الإنسان من جراء تسلط التقنية. كان الثالث عشر يخاف من “مجتمع تسود فيه العلاقات الاجتماعية بين الآلات”، كما وصفها ماركس، والرابع عشر يخشى من عالم “يصبح شيئاً فشيئاً في قبضة الذكاء الاصطناعي”، عالم يتيح التزييف العميق، ويقوض الحقيقة، ويحاول لعب دور الإله. ولذلك نادى البابا الجديد بالوقوف الجماعي في وجه طوفان الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى احتوائه قبل أن يخرج عن السيطرة كما فعلت الآلة من قبل.
الجزيرة



