اقتصاد

المشروعات الصغيرة في سورية : الزراعة لا تتجاوز 3%.. باحث يحذر من خلل يهدد الأمن الغذائي

تكشف مؤشرات واقع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سورية عن اختلال واضح في هيكلها القطاعي، حيث تهيمن الأنشطة التجارية على النسبة الأكبر من النشاط الاقتصادي، في حين يتراجع حضور القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها القطاع الزراعي، رغم دوره الأساسي في تعزيز الأمن الغذائي ودعم النمو الاقتصادي.
وبحسب بيانات التعداد العام للمنشآت لعام 2023، فإن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تشكل نحو 67% من إجمالي المشروعات وفق التعريف الوطني لعام 2024، بعد استبعاد المنشآت المتناهية الصغر.
كما تشير البيانات إلى أن 42% من هذه المشروعات تعمل خارج الإطار النظامي، في حين أن 35% منها كانت متوقفة أو تعمل بشكل جزئي وقت إجراء التعداد، ما يعكس حجم التحديات البنيوية التي تواجه هذا القطاع الحيوي.
الزراعة في أدنى مستوياتها
وتوضح المؤشرات أن القطاع التجاري يستحوذ على نحو 61% من إجمالي المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مقابل 18% للقطاع الصناعي، و18% لقطاع الخدمات، بينما لا تتجاوز حصة القطاع الزراعي 3% فقط، وهي نسبة منخفضة تثير تساؤلات حول أسباب ضعف الإقبال على قطاع يُعد أساسياً في تحقيق الأمن الغذائي وتوليد القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر في حديثه لـ “الوطن” أن هذا التوزع لا يعكس أهمية القطاعات بقدر ما يعكس طبيعة بيئة الاستثمار الحالية، حيث يميل المستثمرون إلى النشاط التجاري باعتباره أقل مخاطرة وأسرع في تحقيق العائد، مقارنة بالزراعة التي تواجه تحديات أكبر تتعلق بالتكاليف المرتفعة، وتقلبات الأسعار، وضعف البنية الداعمة.
التمويل والعوائق التشغيلية
ويشير اسمندر إلى أن محدودية التمويل تمثل أحد أبرز أسباب ضعف الاستثمار في القطاع الزراعي، إذ لا تستوفي سوى 7% من المشروعات شروط الحصول على التمويل المصرفي، بينما يعتمد أكثر من 88% منها على مصادر تمويل غير مصرفية.
كما لا تتجاوز حصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من إجمالي التسهيلات الائتمانية 4% فقط، في حين يعاني أكثر من نصف هذه المشروعات من نقص في العمالة المؤهلة، ما يضيف عبئاً إضافياً على قدرتها على النمو والاستمرارية.
ويحذر الباحث من أن استمرار هذا الاختلال، مع هيمنة القطاع التجاري على حساب الإنتاج، يؤدي إلى تراجع القيمة المضافة المحلية، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وتقليص فرص العمل، ما يضعف قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.
إعادة التوازن ضرورة اقتصادية
ويرى اسمندر أن معالجة هذا الخلل تتطلب إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو دعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعة، من خلال توفير التمويل الميسر، وتبسيط إجراءات الترخيص، ومنح حوافز ضريبية للمشروعات الجديدة، إلى جانب إنشاء حاضنات أعمال ومراكز إنتاج في مختلف المحافظات.
كما يشدد على أهمية تطوير برامج التدريب المهني ورفع كفاءة بيئة الأعمال، بما يضمن تعزيز قدرة هذه المشروعات على الاستمرار والتوسع.
ويؤكد في ختام حديثه أن مستقبل التعافي الاقتصادي في سوريا يرتبط بشكل مباشر بزيادة وزن المشروعات الإنتاجية، مشيراً إلى أن الاقتصادات التي تعتمد على التجارة أكثر من الإنتاج تبقى أقل قدرة على تحقيق الأمن الغذائي أو بناء اقتصاد مستدام قادر على خلق فرص عمل حقيقية.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى