الاخبار

مونديال 2026 يكشف تحولات المجتمع السوري بعد سقوط النظام

بعد أيام قليلة على انطلاق نسخة 2026 من كأس العالم، يبدو المشهد السوري مختلفاً تماماً عما كان عليه في المونديالات السابقة. فبين قطر 2022 والولايات المتحدة 2026، تغيرت سوريا جذرياً: سقط نظام، تبدلت الأولويات، وتشكلت هواجس جديدة. ولم تعد البطولة مجرد احتفالية كروية، بل اختباراً حقيقياً لحالة المجتمع السوري في مرحلة انتقالية مفعمة بالتوتر والترقب.

حضور هزيل في المقاهي.. والأرباح لا تغطي التكاليف
كانت النسخ الماضية من المونديال، حتى في ذروة الحرب، تشهد امتلاء المقاهي عن آخرها، وتمتد المشاهدات حتى ساعات الفجر. أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً. جمال الشيخ، صاحب مطعم في دمشق، قال لـ”اندبندنت عربية”: “بدأنا التحضير مبكراً كما في كل مونديال، لكن الإقبال كان ضعيفاً جداً، ولم نستطع تغطية نفقات التشغيل. الافتتاح كان على قنوات مفتوحة، والمباريات المهمة مثل البرازيل والمغرب جاءت بعد منتصف الليل، فلم نحصل على أكثر من ست طاولات”.

حمص: الخوف يغلب على التشجيع
في حمص، يبدو الوضع أكثر تعقيداً. حسان أمير، مشجع لمنتخب ألمانيا، يقول: “مع انطلاق البطولة، حدثت اشتباكات بين الأمن والبدو في المدينة، مما خلق حالة من القلق. أصدقائي يفضلون المشاهدة في المنزل، والفتيات لم يعد بمقدورهن مرافقتنا إلى المقاهي، بينما كنا في النسخ الماضية نبقى حتى الفجر”.

هشام النوري من حمص اتخذ قراراً نهائياً بالمشاهدة من المنزل، مبرراً: “أصوات رصاص واغتيالات ومشكلات أمنية بالجملة. توقيت المباريات متأخر، وقد يأتيك أحد ليحاسبك على النرجيلة، أو تورط في مشاجرة لا دخل لك فيها. لذلك سأشاهد البطولة مع أسرتي في البيت”.

الكحول: الغائب الأبرز
أحد أبرز تحولات هذه النسخة هو الغياب التام للمشروبات الكحولية في معظم المقاهي والمطاعم. ففي السابق، كانت “البيرة” والويسكي والعرق جزءاً من أجواء المباريات، لكن التعليمات الصارمة منعت تقديمها تماماً.

عمار ناصر، صاحب مطعم في دمشق، يقول: “كنا نستورد كميات كبيرة من الكحول قبل المونديال، وكانت أرباحها طائلة. أما الآن فنكتفي بالعصائر والمشروبات الساخنة، وهوامش الربح منخفضة جداً”.

أحد أصحاب الحانات في دمشق أضاف: “الكحول كانت ترفع حماسة التشجيع، أما الآن فترى المشجع يحتسي القهوة وكأنه في صالون ثقافي.. المشهد غريب”.

لكن الاستثناء الوحيد كان في المناطق المسيحية مثل وادي النصارى غرب حمص، حيث قال طوني حبيب، صاحب مطعم هناك: “قدمنا الكحول دون مضايقة، ومباراة المغرب شهدت حضوراً عائلياً وأنثوياً كبيراً، لأن الأمان في هذه المناطق أعلى”.

التوقيت الأميركي.. ساعات القلق في سوريا
معظم مباريات المونديال تُعرض قبيل الفجر، وهي ساعات تعرفها سوريا بأنها فترة نشاط للاغتيالات والخطف والسرقة. جعفر قباني من دمشق يقول: “الخوف بسيط هنا، فنسبة الأمان في العاصمة معقولة، لكننا لسنا في حمص أو دير الزور”.

لكن في عموم المدن السورية، أصبح الانكفاء المبكر هو السمة الغالبة، مما جعل التنقل ليلاً مغامرة غير محبذة.

طغيان ذكوري وانحسار للحضور النسائي
رغم أن الحضور النسائي كان جزءاً طبيعياً من مشاهد المونديال في السنوات الماضية، فإنه تراجع بشكل كبير هذا العام. ففي طرطوس ودمشق كان الوجود النسائي محدوداً، بينما كاد ينعدم في بقية المحافظات.

سما الحميد، مشجعة للأرجنتين من حمص، تقول بحسرة: “كنت أتابع المونديال منذ 2006، كنت أصرخ وأرقص على الطاولة. الآن أتابع من منزلي مع صحن فشار وبيرة، وإذا فكرت بالخروج أعود وأتراجع فوراً”.

السويداء.. حالة استثنائية
في السويداء، يبدو المشهد مختلفاً تماماً. المشجعون هناك يؤكدون أن الاختلاط طبيعي، والكحول متاحة، وكل ما هو ممنوع في باقي سوريا لا يواجه عقبات في الجنوب، في نموذج يعكس الانعزال النسبي للمدينة عن صراعات المركز.

سوريا المتعددة.. مونديالات عدة في بلد واحد
لم تكن سوريا أبداً كتلة اجتماعية واحدة، لكن الفروقات اليوم أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فدمشق، بحجمها وتنوعها، استطاعت تنظيم فعالية في مدينة المعارض، لكنها اصطدمت بصعوبة المواصلات والانقسامات الداخلية.

في المقابل، مدن مثل دير الزور والرقة ودرعا وحماة تتبع أنماطاً تحفظية تاريخية، مما يعني أن سوريا اليوم تعيش مونديالات متعددة، لا بطولة واحدة جامعة.

طرطوس: نموذج الأمان النسبي
طرطوس تبقى المحافظة الأكثر أماناً واستقراراً، بعد أن نجت من مجازر مارس 2025، وهي الوحيدة التي تشهد حضوراً عائلياً وأنثوياً لافتاً في المباريات الليلية، بحسب معاينة “اندبندنت عربية”.

تيسير علوش، عضو مجلس محافظة سابق، يقول: “طرطوس ظلت آمنة طوال الحرب وبعدها، وهي غير مكبلة بأعباء الخوف، رغم وجود فصيل أجنبي في قطعة عسكرية مجاورة، لكن الناس لا يرونه ولا يرونه”.

قراءة اجتماعية: بين مونديال 2022 و2026
وسيم ماجد، الباحث الاجتماعي، يرى أن “كأس العالم حدث عالمي يعكس تحولات الشعوب. سورياً، بين 2022 و2026، تغير كل شيء: المجتمع تكور على نفسه، الذكورية طغت، المدن اختلفت، المشروبات فرضت، والليل أصبح مغامرة. الفروق أكبر من أن تحصر، والحياة تغيرت 180 درجة.. ليس لأن نظاماً أفضل من نظام، بل لأن نار الرماد عادت لتشتعل أسرع”.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى