الاخبار

الشرع في معادلة ترمب و”الحزب”… أين الفرار؟

لا تُقرأ التصريحات السياسية الكبرى، بخاصة تلك الصادرة عن أقطاب عالمية كمجرد كلام عابر في علم السياسة، تحديداً إذا ما ارتبطت بملفات شائكة وغاية في التعقيد ضمن نطاق إقليمي لا يحتمل تأويل الأحاديث والمجريات، ومن هذا المنطلق تتعامل الأوساط السياسية الرسمية والعامة مع حديث الرئيس الأميركي حول إمكانية الاعتماد على الرئيس السوري أحمد الشرع للتعامل مع ملف “حزب الله” في لبنان.
تصريحات ترمب الأخيرة، بحسب المحلل السياسي السوري مؤيد نحلاوي، جاءت لتعيد رسم المشهد ومعه الأدوار الإقليمية في شرق المتوسط، وعن ذلك يقول “سورية كانت بيئة تجريبية خصبة تقاطع فيها نفوذ دول الإقليم والشرق الأوسط والعالم في تركيبة غايةٍ في التشابك خلال الحرب السورية، وبعد سقوط النظام وجدت دمشق نفسها محاصرةً أكثر من قبل داعميها ومقادة نحو الخوض في ملفات لا الزمان ولا الواقع يسمحان بالخوض بها، وعلى رأسها مواجهة (حزب الله) برياً”.
وأضاف “هذا الطلب قد يكون مبنياً على انحسار النفوذ الإيراني، وعلى اعتبار دمشق شريكاً شرعياً في ملفات أمنية وسياسية حساسة خارج الحدود، لكنّ هذا الطرح من وجهة نظر القراءة السياسية أقرب إلى الكارثة، لأنّه لا يراعي الاحتراب السوري الداخلي القائم أساساً بين المكونات والسلطة، ولا يراعي رغبة (هيئة تحرير الشام) نفسها في الأمر، بل ويتجاوز تصريحات سابقة للشرع عن مسامحة (حزب الله)، ومن هذه العوامل تتركب المعضلة أمام دمشق”.

حدود الدور الممكن
دمشق تعي جيداً حدود الموقف الذي يمكن أن تتولاه، وتفهم جيداً إمكانية وأبعاد هذا الدور في سلبياته وإيجابياته، وهي الأكثر قدرةً على تقييم مخاطره في ظلّ بيئة قتالية هشّة ستنطلق منها وسيسود معها مشاكل تنعكس على الداخل وفرص تمرد محتملة، كما يوضح محللون سياسيون لـ”اندبندنت عربية”، وفي السياق كان رسم حدود الدور الممكن واضحاً تماماً وفق التصريحات التي أدلى بها أخيراً مستشار الرئاسة أحمد موفق زيدان.
ففي الـ15 من الشهر الجاري، قال زيدان إنّ “الولايات المتحدة اقترحت على دمشق التدخل في الشأن اللبناني تماشياً مع التطورات الأمنية المتسارعة هناك، لكن سورية رفضت هذه الطرح وقالت إنّها غير معنية بأي تدخل أمني أو عسكري في الشؤون اللبنانية”. وأكمل “سورية تدعم لبنان في سيطرتها على أراضيها، ودعم الحكومة هناك لا يكون بالتدخل العسكري الخارجي من قبلنا، بل من خلال دعم مؤسسات دولتهم لتعزيز سلطتها الشرعية، كما أنّ دمشق تنظر إلى موضوع استقرار لبنان كمصلحة إقليمية مهمة، شرط احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”.
وفي الوقت ذاته طالب مستشار الرئاسة “حزب الله” بوقف تدخلاته في الداخل السوري، مشيراً إلى أنّ الحزب يتسبب بمشكلات داخلية لسورية، وبعض تحركاته لا تخدم استقرار سوريا ولا مصالحها الوطنية، متهماً إياه بالاستمرار حتّى الآن بدعم شخصيات مرتبطة بالنظام السوري السابق.
وحول تصريحات المستشار يعقب أستاذ القانون الدولي حسن نخلي لـ “اندبندنت عربية”، بالقول “المهم في كلامه هو التوقيت والرسالة، ومنصب مستشار الرئيس منصب رفيع يعبّر عن توجه الدولة عامةً، فيكون مدروساً بعناية ومتفقاً عليه بوضوح في الداخل، وهنا دمشق أوصلت رسالة أنّها لا تعارض أي تعاون مع أميركا ولكنّها لا يمكن أن تتحمل كلفةً باهظة لمغامرة عسكرية جديدة، ولا حتى إعادة إنتاج الماضي المظلم بين الدولتين، سيما في ظلّ وجود قطعات عسكرية سورية غير منضبطة، منها أجنبية، وعدم اتفاق سيادي داخلي على الملف، وهذا ما كان بين سطور حديثه”.
وتابع “الرئاسة بشكل غير مباشر أوصلت رسالتها الهادفة إلى تبريد التوقعات الدولية منها ليكون التعامل معها محصوراً في نطاق تعزيز التعاون الأمني لا القفز فوقه، وعلى رغم أن دمشق تدرك مغبة رفض هذا الطلب، لكنها تحاول التحرك في المنطقة الآمنة لعدم خسارة أميركا من جهة، وعدم التحول لأداة إقليمية مأجورة تنطلق من بيت داخلي ينقصه ترتيب كامل”.
“الداخلية” تتدخل أيضا
على اعتبار أنّ تصريحات المستشار الرئاسي زيدان رسمت البعد السياسي للموقف، فإنّ تصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، جاءت أكثر إيضاحاً في ما يتعلق بالقضية من جوانب أكثر شمولية، إذ أكد أن سورية في صفٍّ واحد مع رؤية الرئيس اللبناني جوزاف عون حول ضرورة الحفاظ على الصف اللبناني وسيادة لبنان، “لذلك نحن في خندق واحد، ونعتبر أن القبول والتنسيق مع الشقيق لبنان هو الركيزة الأساس لأي دور ستلعبه سورية في حل الملفات اللبنانية، وفي ما يخص تصريحات الرئيس ترمب فإن الجانبين اللبناني والسوري بما يمتلكانه من تواصل جيّد هما الأقدر على تفسير هذه التصريحات والاتفاق على الصيغة التي تخدم البلدين، لبنان دولة وليس ساحة خلفية لنا، وأي عمل إن قمنا به في لبنان فهو لخدمة الشعب اللبناني وبالتنسيق معه، وأخوتنا مع الشعب اللبناني هي أهم من أية مصالح سياسية لسورية”.
في الوقت ذاته كانت تسريبات إعلامية نقلت تأكيد الرئيس الشرع في معرض حديثه عن الملف اللبناني أمام زوار له خلال الأيام الماضية، بأنّ كل ما يجري الحديث عنه حول دخول سوري محتمل إلى لبنان “لا يعدو كونه إشاعات”.
اندبندت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى