تراجع الرضى الأميركي على الشرع : «المقاتلون الأجانب» بوابةً للابتزاز

رغم التسريبات التي تحدّثت عن زيارة كان يُفترض أن يجريها الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، إلى واشنطن في 14 حزيران الجاري، فإن الزيارة لم تتمّ حتى الآن.
ويبدو أن ثقل الملفات التي تسعى الولايات المتحدة إلى طرحها على طاولة الحوار مع الشرع، وفي مقدّمها الضغوط المرتبطة بالدور السوري في لبنان، كان من بين الأسباب التي دفعت إلى تأجيل الزيارة.
وأعاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، طرح هذا الملف علناً على هامش قمة «مجموعة السبع» الأخيرة في إيفيان الفرنسية، معلناً أنه «اقترح على إسرائيل» أن يتولّى الشرع مسألة مواجهة «حزب الله»، معتبراً أن الرئيس السوري الانتقالي «ليس مثالياً، لكنه قام بعمل رائع في توحيد الصفوف، وهو قادر على التعامل مع حزب الله بشكل جيد جداً».
ويأتي ذلك بعدما رفض الشرع، في أكثر من مناسبة، الانخراط في أيّ دور من هذا النوع، مفضّلاً الحفاظ على «الحياد» الإقليمي ومنع انزلاق سوريا إلى مواجهة جديدة، بالتوازي مع إقراره أولوية التعافي الاقتصادي وإعادة ترتيب الوضع الداخلي.
ورغم تمسّك الشرع بهذا الموقف، بتزكية من الجانب التركي، يبدو أن الولايات المتحدة لا تزال تعوّل على جملة من الملفات التي تستطيع أن تضغط عبرها على الشرع، حتى تدفع به في الاتجاه الذي تأمله.
ومن بين تلك الملفات، الاستثمار وإعادة الإعمار، والمقاتلون الأجانب، فضلاً عن ملفّ الجنوب السوري والسويداء، حيث تواصل إسرائيل تعزيز نفوذها.
وفي هذا السياق، تلقّت السلطة الانتقالية رسالة أميركية إضافية ذات دلالة، وذلك مع إقرار لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون موازنة الدفاع للعام المقبل، والذي تضمّن بنداً صارماً بشأن سورية، يربط أيّ دعم دفاعي أميركي للحكومة هناك بـ«جهودها الرامية إلى نزع سلاح جميع المقاتلين الأجانب والجهاديين الذين لا يزالون موجودين في سورية».
وجاءت هذه الخطوة بعد مدة من قرار وزارة الخارجية الأميركية حذف سورية من «قائمة الدول غير المتعاونة بالكامل في مكافحة الإرهاب» – والذي أريد منه التمهيد لتوسيع التعاون الأمني والاستخباري مع دمشق، بما يشمل التدريب والتجهيز والدعم التقني لمؤسّساتها الأمنية والعسكرية -؛ وقد يكون من شأنها – وهذا هو الأهمّ – التأثير على ملفّ رفع اسم البلاد من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”، والذي يتمّ العمل عليه عبر مسارَين تشريعيَين يركّزان بالتحديد على التأكد من «تغيير جوهري في القيادة والسياسات».
ورغم أن البند الجديد لم يصبح قانوناً نافذاً بعد – كونه سيواصل مساره التشريعي داخل الكونغرس، ويُفترض التوفيق بينه وبين نسخة مجلس النواب قبل إقراره النهائي الرسمي -، فإنه يمثّل خروجاً عن التفاهمات نفسها التي تُسجل بين ترامب والشرع حول ملف المقاتلين الأجانب، والذي تعهّد الشرع لترامب بحلّه عبر دمج هؤلاء في وزارة الدفاع.
كما أن المشروع الجديد يتقاطع مع استمرار تصنيف الولايات المتحدة – على الرغم من رفع «هيئة تحرير الشام» من «لوائح الإرهاب» – قسماً كبيراً من الفصائل التي تشكّل اليوم العقدة الأساسية في هذا الملف، والتي قاتلت سابقاً إلى جانب «الهيئة» أصلاً، إرهابية.
انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء إلى التدخل المباشر في الهيكلية العسكرية
ويجيء هذا فيما يبدو أن خطة الشرع لدمج الأجانب لم تحقّق النتائج المرجوّة منها، وذلك في ظلّ استمرار الاعتراضات عليها داخل عدد من التشكيلات المسلحة، وتنامي التوترات بين هؤلاء المقاتلين والسلطات الجديدة.
وأصدر مقاتلون أوزبك، في الرابع من حزيران الجاري، بياناً حمل مواقف متباينة عن توجّهاتهم السابقة، عبّروا فيه عن رفضهم الاندماج ضمن صفوف وزارة الدفاع أو القوات النظامية، مشيرين إلى أن بعض العناصر المنضوين تحت لواء الوزارة (الفرقة 84) باتوا يفكرون في «الانسحاب»، علماً أن أعداد الأوزبك تتراوح بين 1500 و3000 مقاتل، حسبما تشير إليه التقديرات.
كما اتهم البيان الحكومة الانتقالية بتسليم عدد من المقاتلين الأجانب إلى حكومات بلادهم، ومن بينها تركيا، بذريعة الارتباط بتنظيم «داعش».
وفي ظلّ هذه الاعتراضات المتنامية، أفادت مصادر مطّلعة، «الأخبار»، بأن الشرع لمح، خلال اتصالاته مع الجانب الأميركي، إلى إمكان معالجة هذا الملف بأسلوب مختلف، يقوم على استبعاد الرافضين للاندماج بصورة تدريجية، بعدما كان الرئيس الانتقالي قد قدّم لواشنطن، خلال زيارة أجراها في تشرين الثاني 2025، معلومات ووثائق تتعلّق بانتشار هؤلاء.
وفي الموازاة، تشهد القنوات الدبلوماسية السورية حراكاً متصاعداً يهدف إلى فتح خطوط تواصل مع أعضاء في الكونغرس الأميركي بوساطة المبعوث الرئاسي الخاص، توماس برّاك، الذي التقى وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، في إسطنبول الأحد الماضي. ووفقاً للمصادر، لم يقتصر لقاء الشيباني وبرّاك على بحث التطورات الإقليمية، حسبما أشارت إليه وزارة الخارجية السورية، بل تناول أيضاً ملف المقاتلين الأجانب والخيارات المطروحة للتعامل معه.
وتشير المصادر نفسها إلى وجود دفع تركي في اتجاه ترحيل عدد من القيادات والعناصر الأجانب، وهو ما طُبّق نموذج منه قبل أشهر، عبر ترحيل مجموعات من المرتبطين بحركة «أحرار الشام» إلى تركيا.
وبينما يشغل عدد من قادة تلك المجموعات مواقع متقدّمة في الجيش الجديد ويخضعون لبرامج رقابة وتوجيه، لا يزال عدد كبير منهم خارج البنية العسكرية الفعلية، ومن دون رواتب منتظمة شهرياً، ما يجعل هذا الملف أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى دمشق وحلفائها على حدّ سواء.
وفي المقابل، تؤشّر الخطوة الأميركية الأخيرة إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى التدخل المباشر في الهيكلية العسكرية، لا سيما مع ظهور فصائل متشدّدة ضمن تلك الهيكلية، يُعتقد أنها مرتبطة بـ«داعش»، ووجدت في سياسات الشرع «خيانة لمبادئها». كما أن إسرائيل، التي تؤدي دوراً في تزخيم النقاش حول مصير الأجانب، تراهن، على ما يبدو، على إمكان استقطاب «داعش» لأولئك المقاتلين، بما يفيد في تحويلهم إلى عامل فوضى يمكن استثماره مجدداً.
ترقية الضباط الدروز: ورقة إسرائيلية لتطبيع الاحتلال
تُواصل إسرائيل مساعيها لتثبيت الأمر الواقع الذي أفرزته سياساتها في الجنوب السوري عموماً، ومحافظة السويداء خصوصاً، وذلك من طريق تكتيكات متعدّدة من بينها التعيينات العسكرية. وفي هذا الإطار، سُجّل، نهاية الأسبوع الماضي، إعلان وزير الحرب الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، تعيين العميد هشام إبراهيم (مواليد 1977) في منصب السكرتير العسكري له، في خطوة حملت دلالات استثنائية.
إذ للمرّة الأولى في تاريخ كيان الاحتلال، يُكسر احتكار الضبّاط اليهود لهذا الموقع الحسّاس، الذي يمثّل «صلة الوصل» المباشرة واليومية بين قيادة الأركان ومكتب وزير الأمن؛ وهو الموقع الذي غادره غاي ماركيزانو، أخيراً، لينتقل إلى منصب سكرتير رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو.
وكان إبراهيم، المنحدر من قرية المغار، تدرّج في مهامّ ميدانية عديدة شملت قيادة سلاح المدرعات ولواءَي 460 و205، إلى جانب عمله نائباً لقائد الفرقة 91 (تشكيل الجليل)، وصولاً إلى تعيينه رئيساً لـ«الإدارة المدنية» في أيلول 2023.
أمّا وصوله إلى منصبه الأحدث، فلا يُقرأ بمعزل عن تطوّرات الجنوب السوري عموماً، حيث يسعى الاحتلال لتثبيت واقع أمني وسياسي جديد، بدأ العمل عليه منذ ما قبل سقوط النظام السابق.
وتتساوق هذه الخطوة مع إعلان جيش العدو، في 9 حزيران الجاري، تسلّم العقيد «ي» قيادة لواء الجولان (474)، خلفاً للعقيد «بني كاتا» الذي قاد اللواء نفسه خلال العامَين الماضيين، قبل أن ينتقل إلى قيادة المنطقة الجنوبية في الجبهة الداخلية.
ويُعدّ «474» رأس الحربة في العمليات الحالية في قطاع مرتفعات الجولان، حيث تعمل قواته على طول «المنطقة العازلة» والتلال السورية، ويمتدّ نشاطها إلى القواعد المستحدثة داخل العمق السوري.
وتأتي الخطوات الإسرائيلية الأخيرة مكمّلة لتعيينات سابقة، من بينها تعيين الجنرال غسان عليان، الدرزي أيضاً، «منسقاً للتواصل مع الدروز في الشرق الأوسط»، تابعاً للقيادة الشمالية.
وتهدف تلك القرارات، على ما يَظهر، إلى توظيف النسيج الاجتماعي في بناء تحالفات محلّية في الجنوب السوري، واستثمار ورقة «حماية الأقليات»، التي أثبتت المعطيات الميدانية أن جزءاً من الدعم المقدّم عبرها جرى التنسيق له قبيل مجازر تموز 2025 في السويداء.
الأخبار



