الاخبار

كيف يعوق تصنيف “الإرهاب” الاستثمار في سوريا

في تطور لافت، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية في 22 أيار الماضي “أدلة المستثمرين” لتشجيع الشركات الأمريكية على استكشاف فرص الاستثمار في سوريا، معترفة بوجود فرص واعدة في قطاعات الكهرباء، والنفط والغاز، والتكنولوجيا، والاتصالات، والعقارات، والخدمات المصرفية.

لكن تقريراً جديداً صادر عن مؤسسة “LAWFARE”، أعده الباحثان جون بالوزيه وتشارلز ليستر، يكشف تناقضاً صارخاً: فالقوانين الأمريكية لا تزال تمنع فعلياً الاستثمار المباشر في سوريا، بسبب تصنيف قانوني لم يعد له مبرر بعد سقوط نظام الأسد.

جذور الأزمة.. تصنيف 1979 الذي تجاوزه الزمن

منذ عام 1979، تدرج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو تصنيف فرض أصلاً بسبب دعم نظام الأسد لجماعات مسلحة غير حكومية تعمل ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

ويترتب على هذا التصنيف قيود مالية مشددة تشمل:

  • تدقيقاً مكثفاً في المعاملات المالية
  • قيوداً على الوصول إلى المؤسسات المالية الأمريكية
  • تجميد بعض الأصول السيادية الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية
  • حظراً شبه تام على صادرات الدفاع
  • ضوابط صارمة على تصدير السلع والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج

ويؤكد التقرير أن الأساس الذي بني عليه هذا التصنيف “لم يعد قائماً” بعد سقوط نظام الأسد، لكن استمراره “سيؤدي إلى عوائق مدمرة تعرقل تعافي سوريا”.

أرقام صادمة.. 31 مليار دولار أحكام قضائية و216 ملياراً تكلفة إعادة الإعمار

كشف التقرير أرقاماً مذهلة تعكس حجم التحديات التي تواجه سوريا:

  • منذ عام 2011، أصدرت المحاكم الأمريكية أحكاماً قضائية ضد سوريا تتجاوز قيمتها 31 مليار دولار
  • لا تزال 186 قضية أخرى على الأقل قيد النظر
  • تُقدر التكلفة الإجمالية، بما في ذلك القضايا غير المحسومة، بما بين 100 و150 مليار دولار

ويُقدّر البنك الدولي أن تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة داخل البلاد تبلغ نحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السنوي لسوريا.

وتشير هذه الأرقام إلى فجوة هائلة: فالالتزامات القانونية القائمة تتجاوز حجم الاقتصاد السنوي للبلاد، بينما تستمر الأحكام القضائية بالتراكم.

تداعيات ملموسة.. صفقة مايكروسوفت تُلغى والاستثمارات الخليجية تتعثر

لم تبق هذه العقبات نظرية، بل تحولت إلى حقائق ملموسة تعيق التعافي الاقتصادي:

صفقة مايكروسوفت: كانت الحكومة السورية في مفاوضات لشراء 50 ألف اشتراك برمجي لموظفيها، لكن الصفقة انهارت بعد أن رفضت الشركة التقدم بطلب للحصول على ترخيص تصدير، بسبب التعقيدات القانونية والتكاليف الباهظة.

الاستثمارات الخليجية: رغم التعهدات السعودية والإماراتية والقطرية باستثمارات تقارب 30 مليار دولار، لم تتحقق هذه الاستثمارات فعلياً لأن البنوك تتردد في معالجة المعاملات المرتبطة بسوريا، خشية المخاطر القانونية.

تحول جذري.. سوريا الجديدة لم تعد “راعية للإرهاب”

يشير التقرير إلى أن الحكومة السورية الجديدة انتهجت مساراً مختلفاً جذرياً في السياسة الخارجية، واتخذت خطوات ملموسة:

  • تطبيع العلاقات الدبلوماسية: زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني 2025، وهي الأولى من نوعها لرئيس دولة سوري في تاريخ العلاقات بين البلدين.
  • انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم “الدولة” الإسلامي.
  • تراجع أنشطة التنظيم إلى مستويات غير مسبوقة خلال 18 شهراً من تولي الحكومة الجديدة.
  • تفكيك التمرد المدعوم من إيران و”حزب الله” عملياً.
  • ضبط أكثر من 215 مليون حبة كبتاغون ضمن حملات منسقة مع دول الجوار.
  • الانضمام إلى المبادرة العالمية للجنة الدولية للصليب الأحمر لتعزيز الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
  • التزام سوريا باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مع تقدم ملموس بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وتعكس هذه التطورات، بحسب التقرير، نمطاً من السلوك لا ينسجم مع مفهوم الدولة الراعية للإرهاب، بل مع دولة تسعى إلى إعادة الاندماج في النظام الدولي.

خياران قانونيان لرفع التصنيف.. والكرة في ملعب واشنطن

يمتلك الرئيس الأمريكي الأدوات القانونية اللازمة للتحرك، عبر مسارين رئيسيين:

المسار الأول: أن يقرّ الرئيس بأن الدولة المعنية لم تدعم الإرهاب لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وتقدم ضمانات بعدم العودة مستقبلاً. وقد مضى على تشكيل الحكومة السورية الجديدة 18 شهراً، وتشير الدلائل إلى أن سوريا باتت دولة تكافح الإرهاب بنشاط.

المسار الثاني: إصدار شهادة تفيد بحدوث تغيير جذري في القيادة والسياسات، وأن الحكومة الحالية لا تدعم الإرهاب، مع تقديم تعهدات مكتوبة بعدم العودة.

ويُذكر أن وزير الخارجية ماركو روبيو يُعد “التوقيع الأخير” المطلوب لرفع التصنيف، وفق ما أفاد مسؤولون أمريكيون لموقع “المونيتور”.

عقبات سياسية تعرقل الرفع.. بين مخاوف إسرائيلية وخلافات داخلية

رغم التقدم القانوني، لا يزال ملف رفع التصنيف قيد النقاش داخل الإدارة الأمريكية، ويتعرض لضغوط من عدة جهات:

إسرائيل والمجموعات المؤيدة لها في واشنطن تعرب عن قلقها من ماضي الرئيس الشرع كقائد سابق لتنظيم متفرع عن القاعدة، كما أثارت موجات العنف الطائفي التي شهدتها سوريا مخاوف جدية بشأن حقوق الأقليات.

خلافات داخل الإدارة: يعمل المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك للدفع برفع التصنيف، بينما يرى آخرون، مثل تشارلز ليستر، أن وزير الخارجية روبيو يريد الإبقاء على “أداة ضغط” على الحكومة السورية لدفعها نحو الحوكمة الشاملة والعدالة والمساءلة.

ماذا يعني استمرار التصنيف؟.. المخاوف تتحقق تدريجياً

يؤكد مراقبون أن استمرار تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب يخلق فجوة استراتيجية تهدد المصالح الأمريكية ذاتها:

  • الشركات الأمريكية تخسر أمام المنافسين الصينيين، الذين يستعدون لملء الفراغ في مشاريع إعادة الإعمار، مما قد يجعل التكنولوجيا الصينية العمود الفقري للبنية التحتية السورية.
  • البنوك تتردد في الموافقة على أي تعاملات مرتبطة بسوريا، حتى في الحالات التي لا يمنعها القانون بشكل مباشر، خشية المخاطر القانونية والسمعة.
  • أي أصول سورية مرتبطة بالولاية الأمريكية تبقى عرضة للحجز من قبل أصحاب الأحكام القضائية، مما يخلق حافزاً لدى سوريا لتجنب التعاملات التجارية مع الأسواق الأمريكية.

هل تتجه واشنطن إلى رفع التصنيف قريباً؟

تشير التطورات الأخيرة إلى أن القرار قد يكون وشيكاً، خاصة مع سعي واشنطن لتعزيز استقرار سوريا وتعاونها. وقد سبقت كندا سوريا، حيث أزالتها من قائمة الدول الراعية للإرهاب في كانون الأول 2025، في خطوة وصفتها الحكومة السورية بأنها “تطور إيجابي وبناء يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأوجه”.

يبقى السؤال الأهم: هل ستتغلب الاعتبارات الاستراتيجية الاقتصادية على المخاوف السياسية، أم أن تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب سيستمر في عرقلة تعافيها وإبعاد المستثمرين الأمريكيين عنها؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، مع ترقب التوقيع النهائي لوزير الخارجية روبيو الذي قد يحدث تحولاً جذرياً في المشهد.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى