هل ستتحول شوارع سوريا إلى محاكم ميدانية بدلا من العدالة الانتقالية؟

منذ أيام شهدت مدن ومناطق سورية عدة تحركات احتجاجية على بقاء أشخاص مرتبطين بالنظام المخلوع (نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد) طلقاء من دون توقيف أو محاكمات وإعادة تعويمهم وتوظيفهم في مؤسسات حكومية.
ونصب محتجون وناشطون في مدينة دير الزور، منذ الخميس الماضي، خيمة للاعتصام ومطالبة الحكومة باتخاذ إجراءات تضمن عدم عودة هذه الشخصيات المرتبطة بالنظام السوري المخلوع والميليشيات المدعومة من إيران إلى المدينة، مؤكدين ضرورة إخراج جميع المتورطين في الانتهاكات والجرائم في حق المدنيين ومحاسبتهم وفق الأطر القانونية بما يحقق مطالب الأهالي في العدالة والاستقرار وفق ما نقلت عنهم مواقع محلية بدير الزور.
لكن موجة الاحتجاجات تعمقت أكثر في مناطق أخرى مثل ريف حلب وإدلب، حيث ظهرت فيديوهات وثقت، الأحد الماضي، مقتل شخص في الأقل وجرح آخرين إثنين في حوادث متفرقة جراء تعرضهم للضرب والسحل من قبل سكان غاضبين اتهموا الأشخاص المستهدفين بأنهم كانوا جزءاً من آلة القمع الحكومية إبان حكم النظام المخلوع وأنهم متورطون إماء بالوشاية أو الجرائم المرتكبة بصورة مباشرة، مما أثار جملة من الانتقادات والتحذيرات لأن تصبح حالاً عامة ينتقم فيها السوريون من أشخاص متهمين بالتورط في أعمال عنف من قبل النظام المخلوع من دون محاكمات أو مسار قضائي واضح.
حراك وانتهاكات
وتوسع هذا الحراك مساء أمس الإثنين في محافظات أخرى كحماه وحمص ودرعا وغيرها وفق مصادر محلية، وهوجمت خلالها منازل ومحال المتهمين بالتورط في انتهاكات ضد السوريين، والذين كانوا يعرفون محلياً بـ”الشبيحة”، في وقت أخذ فيه بعض الاحتجاجات طابعاً طائفياً موجهاً نحو العلويين في دمشق وحمص، وتمكنت قوى الأمن الداخلي من فض بعض الاحتجاجات، مما حال دون وقوع صدامات.
وقال المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة في واشنطن محمد العبدالله إن ما يحصل متوقع بسبب غضب الأهالي، وبطء مسار العدالة الانتقالية أو حتى فشله، إذ “تطرح أسئلة عن فشل المسار برمته لكون عدد الحالات والشخصيات التي تم اعتقالها محدود مقارنة بحجم الجرائم”، مضيفاً “ليست هناك شفافية مع الشعب السوري بموضوع صدور عفو عن شخصيات من دون إخبار السوريين أو من دون استصدار مراسيم عفو قانونية”. وأوضح العبدالله أن أشخاصاً منحوا عفواً ويعاد تبييض سجلاتهم “مثل محمد حمشو، وفادي صقر سابقاً، وطلال مخلوف، وهو اللواء الذي كان يترأس الحرس الجمهوري، وكان مسؤولاً عن منطقة داريا في الفترة التي قصفت بالسلاح الكيماوي”.
نحو الفوضى
وتابع المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة في واشنطن أن وجود مثل هؤلاء الأشخاص في منازلهم، حيث ينعمون بحياة كريمة تحت حماية السلطات، “أدى أخيراً إلى انفجار الوضع في مناطق مثل محافظة دير الزور”، باعتبار أن عودة قيادات الميليشيات المرتبطة بإيران سابقاً، كعبدالعزيز المدلول، ونواف راغب البشير، وقثم الشويش، وبحماية أجهزة الأمن، “أثار غضب الأهالي وسط خشية من أن تتفاقم حال استيفاء الحق بالذات لأنها ستؤدي إلى فوضى”.
وختم العبدالله بأن جريمة جنائية قتل شخص من دون محاكمة “يسلبنا، كسوريين أيضاً، فرصة التحقيق مع هؤلاء ومعرفة من شارك معهم، ومن أعطاهم الأوامر أو معرفة إن كانت هناك سجون سرية، أو مقابر جماعية غير مكتشفة، أو إن كانت هناك أدلة مصورة، لذلك الموضوع خطر على كل الصعد ويجب عدم الاستهانة فيه، وللأسف ليس هناك تفاعل من قبل السلطات السورية بهذا الإطار”.
مواقف الحكومة
وعلى وقع تصاعد الاحتجاجات وتوسع دائرة العنف صدرت مواقف عدة من مسؤولين بارزين في الحكومة، وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نورالدين البابا، في مؤتمر صحافي أمس الإثنين، “إنهم يؤكدون على الاستجابة للمطالب الشعبية بوصفها أولوية عالية بالنسبة إليهم، وإن الدولة الجديدة تضمن القبض على أي شخص ارتكب انتهاكات في حق السوريين”، مؤكداً ضرورة الالتزام بالمؤسسات والقانون في الدولة، وتابع “تطبيق القانون قد يطيل مدة الإجراءات وفقاً للقيود المهنية والقانونية، إلا أن مسيرة العدالة الانتقالية طويلة وفيها خطوات عديدة، وإجراءات المحاسبة أساسية لبناء الدولة السورية الحديثة”، مشدداً على أن الدولة السورية تواصل ملاحقة المتورطين بالجرائم والانتهاكات منذ التحرير وأن العدالة لا تتحقق عبر الانفعال أو الأحكام المسبقة أو العقوبات العشوائية.
من ناحيته، كتب وزير العدل مظهر الويس على منصة “إكس” أنهم ماضون بكل عزم في تحقيق العدالة ومحاسبة مجرمي النظام البائد “ولن نسمح بالإفلات من العقاب، ونؤكد لأهلنا أن العدالة مستمرة عبر القانون ومؤسسات الدولة، فلا مكان للفوضى أو الانتقام، بل لسيادة القانون وحفظ الحقوق للضحايا”.
عدم الإفلات من العقاب
من جهتها، أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في بيان أن حق الضحايا وذويهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة “حق مشروع لا يمكن تجاوزه أو التقليل من أهميته بعد عقود من الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا”، وأضافت أن “مسار العدالة الانتقالية يقوم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة ومرتكبي الانتهاكات وفق الأصول القانونية، بما يضمن إنصاف الضحايا وتحقيق العدالة وترسيخ مبدأ سيادة القانون”، وشددت الهيئة على أن العدالة الانتقالية تستند إلى المسؤولية الفردية، ولا تقوم على مبدأ الانتقام والثأرية واستيفاء الحق بالذات خارج إطار القانون، مؤكدة أن العقاب الجماعي يتعارض مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ويقود إلى إنتاج مظالم جديدة بدلاً من معالجتها، وأن المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر “تشكل ركائز أساسية لبناء سلام مستدام ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً”، ولفتت إلى أنها تواصل العمل في مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الوطنية والإصلاح المؤسسي وبناء السلام “انطلاقاً من التزامها بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام كرامة جميع السوريين”، وختمت “من حق الضحايا أن يغضبوا، ومن واجب مؤسسات العدالة أن تحول هذا الغضب إلى مساءلة قانونية عادلة، لا إلى انتقام أو عقاب جماعي”.
اندبندنت عربية



