مذكرات وليد جنبلاط بالفرنسية: القسم الأكبر لتبدلات العلاقة مع آل الأسد

صدرت مؤخراً عن دار «ستوك» للنشر مذكرات الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، تحت عنوان «قدر من المشرق»، مع عنوان فرعي: «من الحرب الأهلية إلى السلام غير الأكيد». الكتاب الذي يقع في 340 صفحة باللغة الفرنسية، ليس مجرد سيرة ذاتية تقليدية، بل هو رواية لسيرة لبنان الحديث والمعاصر، يحمل بين طياته شهادات نادرة وتحليلات جريئة لمسيرة سياسية امتدت لنحو خمسين عاماً.
جنبلاط لا يروي سيرته فقط.. بل يفسر تحولاته وينصح بلده
الكاتب الذي لعب دوراً سياسياً من الطراز الأول منذ نحو خمسين عاماً، وكان طرفاً فاعلاً في المشهد السياسي والاجتماعي في لبنان، لا يكتفي بسرد سيرة حياته المليئة بالأحداث، ولا ينحصر في مراجعة تاريخ عائلته والدور الذي لعبته في منطقة الشوف اللبنانية منذ مقتل أحد أجداده القدماء (بشير جنبلاط) على يد العثمانيين.
الكتاب هو أيضاً فرصة لعرض وتفسير مواقفه المتبدلة ورؤاه للماضي والحاضر، وإبداء نصائحه السياسية لبلد عاش في العقود الستة المنصرمة مجموعة من الحروب الأهلية والإقليمية.
بين السياسة والعائلة.. وجوه متعددة في صفحات الكتاب
بعض صفحات الكتاب يكرسها الكاتب للحديث عن:
- جدته “الست نظيرة”
- أمه مي أرسلان
- العلاقة بين والديه المنفصلين
- مربيته الفرنسية إيفون نيادو
- قصر المختارة، مقر الزعامة الدرزية
- نسبه الأرسلاني
- والده الإقطاعي الذي تبنى الاشتراكية
لكن الأصل والأهم هو السياسة، ولآل الأسد – حافظ وبشار – حظ وفير منها.
آل الأسد وآل جنبلاط.. قصة طويلة تشكل حبكة الكتاب
بين آل الأسد وآل جنبلاط قصة طويلة تحتجز عشرات الصفحات من الكتاب، بل إنها تشكل حبكته الرئيسية: قصة كمال جنبلاط مع الأخوين حافظ وماهر الأسد، ثم قصة الابن وليد مع حافظ الأب وبشار الابن الذي ورث الرئاسة وبقي فيها حتى أواخر عام 2024.
يسرد الكاتب بالتفصيل علاقة والده كمال جنبلاط بحافظ الأسد، كما يبدأ فصلين منه (الثاني والثالث) بعبارة: “اغتيل والدي يوم 16 مارس من العام 1977”.
وليد جنبلاط يتحدث عن والده: كاريزما وثقافة ومواجهة الأسد
وليد جنبلاط معجب إلى أقصى الحدود بوالده، بما يسميه “الكاريزما” التي كان يتمتع بها، بثقافته الواسعة، وبقدرته على التحدث مع الناس العاديين كما مع كبار القادة والزعماء، وبنجاحه كزعيم يساري في بناء تحالف القوى التقدمية والفلسطينيين ضد “قوى الانعزال” (الأحزاب اليمينية المسيحية).
ويسرد بالتفصيل أسباب الخلاف بين والده كمال وحافظ الأسد، خصوصاً منذ أن قرر الثاني الدخول العسكري إلى لبنان بموافقة أمريكية وبغطاء عربي وبناءً على طلب القادة المسيحيين الثلاثة: الرئيسين السابقين كميل شمعون وسليمان فرنجية، ورئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل.
ومن أسباب الجفاء، سعي الأسد الأب لفرض وصايته على الحركات الفلسطينية وعلى ياسر عرفات رئيس سلطتها التنفيذية.
كمال جنبلاط يرفض الوصاية الدكتاتورية.. ويواجه النظام السوري
يقول وليد جنبلاط عن الأسد الأب: كان يسعى لفرض “وصاية دكتاتورية” على لبنان وتكميم الحريات والهيمنة على المقدرات اللبنانية، الأمر الذي رفضه والده، فلم يتردد في مهاجمة الأسد ونظامه في مقالات نشرتها صحيفة الحزب التقدمي.
جنبلاط الأب كان على “خلاف مفتوح” مع نظام الأسد الذي رفض تزويد الميليشيات اليسارية بالسلاح، كما اتهمه بالسعي لإعادة تشكيل “سوريا الكبرى”، ووصف التدخل السوري بأنه “غزو تقوم به دولة توتاليتارية”.
ويشير الكاتب إلى أن الخلاف بينهما هو في الواقع “خلاف بين أقلويين”، الأول علوي والثاني درزي.
نصائح السادات قبل العودة إلى لبنان.. ومأساة الاغتيال
يروي الكاتب أنه عرّج على مصر في طريق العودة إلى لبنان، حيث استقبله الرئيس أنور السادات الذي لم يتردد بتوجيه نصيحة واضحة له: “أخ كمال، لا تعد إلى لبنان. يبدو عليك التعب، ابق في مصر”.
ورغم نصائح مماثلة من جهات عربية ودولية، لم يلتفت إليها كمال جنبلاط، وقال: إنه يستشرف ويريد أن يموت في الشوف إلى جانب شعبه.
ويعود إلى لبنان على متن ناقلة بترول أنزلته في مرفأ الجية الجنوبي، بعد تنسيق مع السفير السوفياتي في مصر.
ويروي وليد جنبلاط تفاصيل اغتيال والده، متهماً رفعت الأسد والمخابرات السورية بالمسؤولية عنه تدبيراً وتنفيذاً، ومؤكداً أن المسؤول المباشر كان اللواء إبراهيم الحويجي الذي ألقت القبض عليه القوات الأمنية للنظام السوري الجديد في قرية جبلة.
ويؤكد أن المخابرات السورية اختارت قرية مسيحية لإتمام عملية الاغتيال، وبثت إشاعات تدعي أن المسيحيين هم من نفذوا الاغتيال، ما أفضى إلى موجات قتل قضت على 300 منهم وتهجير عشرات الآلاف.
في عام 2025، أغلق وليد فصل اغتيال كمال الذي لبس عباءة زعامته، ثم بعد عشرات السنوات نقلها إلى ابنه تيمور، النائب الحالي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي.
غريزة البقاء تقود إلى دمشق بعد أشهر من الاغتيال
منذ الصفحات الأولى، يعرّف جنبلاط عن نفسه بتذكير أن “قليلاً من آل جنبلاط أنهوا حياتهم بموت طبيعي” وأنه قد يكون “الاستثناء” لأنه ما زال حياً، مضيفاً: “خلال خمسين عاماً من حياتي السياسية، التي بدأت في عام 1977، لم أعرف سوى النزاعات وشعوري أنني أعيش حرباً بلا نهاية”.
وقد تكون غريزة البقاء هي التي قادته إلى سلوك طريق دمشق للقاء الرئيس الأسد بعد أشهر قليلة من اغتيال والده، وكتب: “قررت بالاتفاق مع كادرات الحزب وشيخ العقل التوجه إلى دمشق لإعادة إحياء التحالف الضروري لوجودنا. كان علي أن أعيد تطبيع علاقاتنا مع النظام السوري الذي كان داعمنا الوحيد. لم يكن لدينا خيار آخر”.
الغريزة نفسها قادته مجدداً إلى دمشق في مارس 2010، بعد القطيعة مع نظام بشار الأسد عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
اغتيال الحريري.. زلزال في لبنان واتهام للنظام السوري
الاغتيال، كما يقول جنبلاط – صديق الحريري – “أحدث زلزالاً في لبنان والعالم”، ولم يتردد الكاتب باتهام النظام السوري علناً بالمسؤولية عنه.
ويروي جنبلاط ما نقل له الحريري عن لقائه الأسد في 26 أغسطس، إذ قال له: “لحود هو أنا، وإذا سعى شيراك لإخراجي من لبنان، فسوف أحطم كل شيء. وإذا كان جنبلاط يرى أن لديه دروزاً في جبل لبنان، ليعلم أن لي أنا أيضاً دروزي وأستطيع إثارة الفوضى هناك”.
وبعد سلسلة الاغتيالات التي أعقبت مقتل الحريري، فهم جنبلاط أن الأسد “يريد التخلص ممن يعارضه”، إذ إن سلسلة من عمليات الاغتيال تكرّت: باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو.
وخلاصة جنبلاط أن صورة الحداثة التي سعى الأسد للترويج لها مع زوجته أسماء كانت “هزلية، فالابن صورة عن أبيه ولكن أسوأ منها”.
جنبلاط يتهم حسن نصر الله.. ويصفه بالارتباط بعمليات القتل
يكتب جنبلاط أن “حزب الله كان يراقبنا” في الوقت الذي استمر فيه القضاء على كبار الشخصيات السياسية والفكرية. ويؤكد أنه خلال جلسة “حوار وطني” دعا إليها رئيس البرلمان نبيه بري في مارس 2006، حمل معه كتاب “سمرقند” لأمين معلوف الذي يتحدث عن “الحشاشين” الذين عرفوا بتبنيهم الاغتيالات لإرهاب أعدائهم.
وقال في حضور حسن نصر الله، أمين عام “حزب الله” حينذاك: “إن ما نقوم به يذكرنا بما جاء في كتب سمرقند عن الحشاشين”، فنظر إليه نصر الله بقسوة معتبراً ما قاله “اتهاماً شخصياً” له، ويضيف جنبلاط: “لقد خيل لي أنه على صلة بعمليات القتل وفهم أنني أتهمه علناً بذلك”.
ويذكّر جنبلاط بكلمة قالها بمناسبة مرور عام على اغتيال الحريري متوجهاً للأسد: “أنت يا طاغية دمشق، أنت يا قرداً من أسوأ الأنواع، أنت يا سمك القرش الذي لفظك المحيط.. أيها الجزار، المجرم، الكذاب”.
الواقعية السياسية تنتصر.. جنبلاط يعدل موقفه مراراً
مرت علاقات جنبلاط بـ “حزب الله” في مرحلة بالغة التوتر عام 2008، حيث انفجر الوضع الميداني في مايو عندما اجتاح مسلحو الحزب أحياء بيروت وحاصروا دارة جنبلاط والحريري وهاجموا مناطق في الجبل.
وكما بعد مقتل والده، عدل جنبلاط موقفه بعد اتفاق الدوحة، فتوقف عن انتقاد النظام السوري وعن استهداف “حزب الله”، عملاً بالواقعية السياسية وبقراءة متأنية لميزان القوى.
وفي 2009، زار سعد الحريري دمشق للقاء الأسد، وبعده جاء دور جنبلاط. وعن هذا اللقاء، كتب أنه “لم يكن سعيداً بحصوله” لكن كان عليه “أن يساهم في عملية المصالحة اللبنانية – السورية”، وأنه “لم يكن من خيار أمامي سوى الذهاب حتى النهاية في هذا المسار”.
تيار



