سيناريو الصعود الكبير: الذهب على طريق الـ8000 دولار

تشهد أسواق المعادن النفيسة حالة من الترقب الحذر، إذ ترى غالبية كبرى المؤسسات المالية العالمية أن موجة الصعود القياسية التي سجلها الذهب في مطلع العام قد دخلت في مرحلة هدوء مؤقت، بفعل تداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن التي تغذي التضخم وتدفع البنوك المركزية إلى إعادة حساب خطواتها في سياسات التيسير النقدي.
في هذا السياق، ترجح كبريات البنوك مثل “يو بي أس” و”أتش أس بي سي” و”دويتشه بنك” و”ساكسو”، إلى جانب استطلاعات آراء المحللين، أن يعاود المعدن الأصفر تسجيل مكاسب قوية فور انفراج الأزمة في مضيق هرمز وإبرام اتفاق أميركي-إيراني، معتبرين أن التراجع الحالي بنسبة 13% عن أعلى مستوياته في يناير الماضي قد يكون نافذة شراء مثالية للمستثمرين.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن الطلب الإجمالي على المعدن خلال الربع الأول من العام الجاري، شاملاً الطلب خارج البورصة، بلغ 1231 طناً، مسجلاً زيادة طفيفة نسبتها 2% على أساس سنوي. غير أن هذا النمو المتواضع في الحجم، إلى جانب الارتفاع الاستثنائي للسعر، قفز بقيمة الطلب الفصلي بنسبة 74% لتصل إلى مستوى قياسي غير مسبوق عند 193 مليار دولار.
الطلب الآسيوي يقود الارتفاع
بحسب المجلس، سجل الطلب على السبائك والعملات الذهبية 474 طناً بزيادة 42%، محققاً ثاني أعلى مستوى ربع سنوي في التاريخ، مع تصدر المستثمرين الآسيويين، وعلى رأسهم الصينيون والهنود، قائمة المشترين مدفوعين بحالة عدم اليقين الجيوسياسي.
في غضون ذلك، واصلت البنوك المركزية شراء الذهب بصافي 244 طناً خلال الربع الأول، بارتفاع 3% عن العام الماضي، رغم نشاط بيعي ملحوظ من بعض المؤسسات خلال الفترة نفسها.
“دويتشه بنك”: مجال للصعود رغم كل شيء
يشير تحليل صادر عن “دويتشه بنك” إلى أن استمرار البنوك المركزية في تنويع احتياطياتها لصالح الذهب يترك باباً مفتوحاً لمزيد من المكاسب. وتقول ماليكا ساشديفا، محللة المعادن الثمينة في البنك، إن السعي إلى أدوات تحوط ضد الاضطرابات الجيوسياسية رفع حصة الذهب في الاحتياطيات العالمية من 10% في التسعينيات إلى 30% حالياً، بينما تراجعت حصة الدولار من أكثر من 60% إلى نحو 40%، ولم تعد الفجوة بينهما تتجاوز 10 نقاط مئوية، وهو ما تعتبره “ملحوظاً جداً”.
وتضيف ساشديفا أن مشتريات البنوك المركزية هي المحرك الرئيسي للأسعار، وترى علاقة وثيقة بين حجم المشتريات واتجاه الأسعار. وتذهب إلى أبعد من ذلك، فإذا حافظت الأسواق الناشئة على احتياطياتها الحالية وحددت 40% منها للذهب، قد تقفز الأسعار إلى 8000 دولار للأونصة خلال خمس سنوات، حتى لو تراجع إجمالي الاحتياطيات إلى 5 تريليونات دولار.
“يو بي أس”: الذهب أداة تنويع لا غنى عنها
من وجهة نظر “يو بي أس”، فإن المفاوضات الأميركية-الإيرانية ستكون المحرك الأقرب لأسواق السلع، لكن على المدى المتوسط، تظل السلع الأساسية أداة فعالة لتنويع المحافظ. ويرى المحللون أن التراجع الحالي للذهب بنحو 13% يوفر فرصة للشراء، خاصة مع استمرار عدم اليقين الجيوسياسي وتراجع توقعات الفائدة.
وينصح البنك المستثمرين الذين لديهم تعرض كبير للذهب بالتفكير في توسيع نطاق السلع لتشمل النحاس والألومنيوم والزراعيات، لتنويع مصادر العائد المستقبلي.
“أتش أس بي سي”: عوامل إضافية تدعم الصعود
يؤيد “أتش أس بي سي” هذه النظرة، ويضيف عوامل أخرى مثل المخاطر المالية ومخاوف الركود التضخمي. ورغم التقلبات القصيرة الناجمة عن أحداث الشرق الأوسط، يتوقع البنك استمرار الدعم للذهب من المخاطر الجيوسياسية والعجز المالي ومشتريات البنوك المركزية.
يشير رودولف بون، الخبير الاستراتيجي في البنك، إلى أن الذهب بدأ العام متقلباً، حيث انخفض من 5415 دولاراً للأونصة في يناير إلى 4400 دولار في مارس، لكنه يرى أن الطلب المؤسسي على السبائك الكبيرة يظل ثابتاً بدعم من تغييرات تنظيمية في الهند والصين، في حين يبقى طلب الأفراد على العملات ضعيفاً. ويتوقع البنك ارتفاعاً طفيفاً في إنتاج المناجم خلال 2026-2027، مع زيادة في نشاط إعادة التدوير مع ارتفاع الأسعار.
“ساكسو بنك”: انفراج قريب ينتظر الذهب
يتفق “ساكسو بنك” مع هذا التوجه، حيث يرى أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في البنك، أن العوامل الأخيرة التي ضغطت على الذهب (ارتفاع الطاقة، قوة الدولار، توقعات التضخم، واحتمالات استمرار رفع الفائدة) لن تدوم طويلاً. ويتوقع هانسن أن يجد الذهب دعماً جديداً من الطلب النقدي، وتنويع الاحتياطيات، والمخاوف المالية، بمجرد هدوء تداعيات الحرب واستقرار سلاسل الإمداد.
استطلاع “رويترز”: توقعات سنوية قياسية
يعكس استطلاع أجرته “رويترز” مؤخراً هذا التفاؤل، إذ رفع 31 محللاً ومتداولاً توقعاتهم السنوية لمتوسط سعر الذهب إلى 4916 دولاراً للأونصة في 2026، وهو أعلى مستوى لتوقعاتهم السنوية منذ 2012، مقارنة بـ 4746.50 دولاراً في استطلاع الثلاثة أشهر السابق. ويؤكد الاستطلاع أن الطلب القوي من البنوك المركزية وعدم اليقين الاقتصادي سيكونان كافيين لتعويض أخطار التضخم والرهانات المتشددة، مرجحاً استئناف الصعود بمجرد انحسار التوترات الجيوسياسية
اندبندت عربية



