“الذهب الأبيض” في بادية حمص.. مورد جديد للصناعات الإلكترونية والطاقة النظيفة

تزخر بادية حمص السورية بثروة جيولوجية نادرة تُعرف محلياً وعالمياً باسم “الذهب الأبيض”، إنها رمال السيليكا البيضاء فائقة النقاء، والتي تشهد هذه الأيام توسعاً في عمليات استخراجها، لتؤكد مجدداً المكانة الاستراتيجية لهذا المورد في عصر التكنولوجيا والطاقة النظيفة.
ما يميز هذه الرواسب هو احتواؤها على نسب نقاء استثنائية من مادة السيليكا، مما يجعلها المادة الخام الأولى في صناعات الإلكترونيات الدقيقة ومكونات الطاقة المتجددة.
تُعد السيليكا (ثاني أكسيد السيليكون) المكوّن الأساسي لهذه الرمال البيضاء. ورغم أنها مادة عازلة للكهرباء في طبيعتها الخام، إلا أنها المصدر الرئيسي لاستخلاص السيليكون النقي، ذلك العنصر شبه الموصل الذي يشكل العمود الفقري لجميع الرقائق الإلكترونية في العصر الحديث.
بعد عمليات التنقية المعقدة، يُستخدم السيليكون المستخلص في تصنيع المعالجات الدقيقة، وشرائح الهواتف الذكية، والحواسيب، وكذلك الألواح والخلايا الشمسية، مما يرسخ مكانة رمال السيليكا كسلعة استراتيجية غير مباشرة في سلاسل التوريد العالمية.
حتى عمالقة التكنولوجيا مثل آبل وسامسونغ يعتمدون، عبر مراحل تكرير طويلة ومعقدة، على هذا السيليكون المستخرج من تلك الرمال، ليصل في النهاية على شكل رقائق إلكترونية دقيقة تدير عجلات الحياة الرقمية.
على الصعيد المحلي، كشفت وزارة الطاقة مؤخراً عن قيام لجنة متخصصة، تضم كوادر من مديريتي المسح الجيولوجي والمخابر في مؤسسة الجيولوجيا والثروة المعدنية، وبالتنسيق مع فرع حمص، بإجراء دراسة ميدانية شاملة لمواقع الرمال الكوارتزية في منطقة القريتين وما حولها.
هذه الدراسة تأتي في سياق تقييم دقيق للمواقع وإعداد الملفات الفنية اللازمة، تمهيداً لتحديد الفرص الاستثمارية وتعزيز المعرفة الجيولوجية بهذه المنطقة الغنية بالثروات الكامنة.
تُعد رمال القريتين في ريف حمص الشرقي واحدة من أبرز الكنوز الطبيعية في سوريا، بفضل خصائصها الجيولوجية الفريدة التي تضعها في مصاف أفضل المصادر العالمية للرمال السيليسية عالية النقاء.
تمتد استخداماتها لتشمل الصناعات الاستراتيجية كالزجاج والأسمنت والكيماويات، حيث تشكل رواسبها الممتدة على مساحات شاسعة مخزوناً طبيعياً ضخماً يعتبر عصباً اقتصادياً مهماً للمنطقة.
في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أوضح الإعلامي “كفاح زرير” من إدارة منطقة القريتين، أن جبال السيليكا في المنطقة تمتد أفقياً لمسافة تصل إلى 35 كيلومتراً أو أكثر في الاتجاهات الشمالية والجنوبية والغربية، مما يعكس الحجم الهائل لهذا المورد الطبيعي.
أكد زرير أن عمليات الاستخراج منظمة وتخضع لإشراف الجهات المختصة منذ عشرات السنين، مع وجود تعليمات أمنية رسمية تمنع أي نشاط عشوائي أو تعدٍّ على هذا القطاع الحيوي.
وشدد على أن المؤسسة العامة للجيولوجيا هي الجهة الوحيدة المخولة بتنظيم عمليات الاستخراج والبيع، حيث تتم عملية البيع للمواطنين والشركات والمعامل وفق آليات قانونية وشفافة، ولا يمكن لأي جهة الحصول على هذه الرمال أو نقلها دون تراخيص رسمية، مما يعزز ضبط المورد ويحد من أي تجاوزات محتملة.
وأشار إلى أن الطلب المتزايد على هذه الرمال يعود لدورها المحوري في الصناعات الكبرى، وعلى رأسها صناعة الزجاج، إلى جانب استخداماتها الواسعة في معامل الأسمنت.
تُظهر المعطيات الجيولوجية أن رمال القريتين تُصنف ضمن أفضل الأنواع السيليسية عالمياً، بفضل احتوائها على نسب عالية جداً من السيليكا، مما يجعلها خامة رئيسية للزجاج فائق الجودة، والسيراميك، ومواد البناء المتطورة، فضلاً عن تطبيقاتها في الصناعات الكيميائية.
تقدر الاحتياطيات الضخمة من هذه الثروة بعشرات الملايين من الأطنان، يتم استثمارها عبر مقالع مكشوفة ضمن خطط إنتاج سنوية، سواء عبر الاستثمار المباشر أو بالشراكة مع القطاع الخاص، بهدف دعم القطاع الصناعي وتلبية احتياجات السوق المحلية.
يعكس هذا الملف الأهمية الاستراتيجية لرمال القريتين في سوريا، حيث يتداخل البعد الاقتصادي مع التنظيم الإداري عبر نموذج إشرافي يضمن استدامة هذه الثروة واستغلالها ضمن الأطر القانونية الصارمة.
بالعودة إلى التاريخ، كانت مؤسسة الجيولوجيا قد أكدت في عام 2010 سعيها الحثيث لتكثيف الأبحاث والاختبارات التكنولوجية على الرمال الكوارتزية للوصول إلى أقصى استفادة منها في أغراض الصناعات الحديثة.
وأشارت المؤسسة حينها إلى أن هذه الرمال الرسوبية تحتوي على نسب سيليكا تصل أحياناً إلى 99%، وتعود في تشكلها إلى الزمن الجيولوجي (أعلى الأوليغوسين – أسفل الميوسين)، حيث نشأت في بيئات بحيرية شاطئية هادئة، وغالباً ما تأخذ شكل عدسات داخل الطبقات الصخرية.
اكتشفت هذه الرواسب في المنطقة الوسطى (القريتين والدعكانة)، والمنطقة الجنوبية (التنايا ويبرود والسحل)، والمنطقة الشرقية (جبل البشري)، لكن تظل رمال القريتين الأفضل من حيث الجودة والنقاء.
تشير التقديرات إلى أن احتياطي رمال القريتين يبلغ نحو 150 مليون طن من الرمال النقية الصالحة للصناعة، بالإضافة إلى 45 مليون طن من الرمال المشوبة المخصصة لأعمال البناء والإنشاءات.
في المجال الكيميائي، تدخل هذه الرمال في صناعة الزجاج العادي والفاخر بعد معالجتها بالفرز والتصنيف والغسيل، كما تستخدم في صناعة الزجاج المائي (سيليكات الصوديوم)، الذي يتكون من مصهور الرمل الزجاجي وكبريتات الصوديوم، ويُستعمل كمادة لاصقة، أو مرجع قلوي، ووسط محلل للسيليكات، بالإضافة إلى دخوله في صناعة الصابون، والتعليب، ومواد الصقل والجلود.
كذلك تدخل في صناعة الخيوط الزجاجية المستخدمة في تصنيع السفن والطائرات والمحطات الكهربائية والمحولات، وهو مجال يحمل آفاقاً واعدة في سوريا مع تطور صناعة اللدائن كمواد بديلة عن المنتجات المعدنية والفولاذية، بفضل ما تتمتع به من خصائص عزل ومتانة فائقة.
أما في قطاع الإنشاءات، فتُستخدم لضبط خلطة المواد الأولية وتعديل نسب العناصر ومعاملات الكلنكر في صناعة الأسمنت، وكذلك في صناعة البورسلان والسيراميك عبر مزج الجسم الرئيس ومواد التزجيج.
في الختام، تشتهر مرتفعات وجبال منطقة القريتين شرقي حمص باحتوائها على مخزون استراتيجي من أنقى رمال السيليكا (الكوارتس) عالمياً، والتي تعرف محلياً باسم “المازار”، وتنتشر في تضاريس مثل جبل حسياء والقلمون الغربي، لتظل هذه الثروة الطبيعية الهائلة حجر الزاوية للعديد من الصناعات الواعدة، من الزجاج والبناء إلى الطاقة الشمسية والصناعات التكنولوجية المتطورة.
شام



