“البحار الأربع”.. رؤية غربية لتحويل سورية إلى عقدة جديدة للطاقة بين الشرق والغرب

طرحت دراسة حديثة صادرة عن معهد “New Lines” تصوراً استراتيجياً واسع النطاق يهدف إلى تحويل سورية وتركيا إلى محور رئيسي لتجارة ونقل الطاقة بين الشرق والغرب، عبر مشروع يحمل اسم “مبادرة البحار الأربع”. ويستند المشروع إلى إنشاء شبكة مترابطة من خطوط النفط والغاز والبنى التحتية تربط بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود.
وترى الدراسة أن التحولات السياسية التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024 فتحت نافذة تاريخية لإعادة تشكيل خريطة الطاقة في المنطقة، وتحويل البلاد من ساحة للصراعات الجيوسياسية إلى ممر استراتيجي يربط مصادر الطاقة في الخليج وآسيا الوسطى بالأسواق الأوروبية.
سورية في قلب المعادلة الجديدة
بحسب الدراسة، يمثل التحول السياسي في سورية أحد أبرز المتغيرات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. وتشير إلى أن الحكومة السورية الجديدة أظهرت انفتاحاً على التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وتركيا، وهو ما اعتبرته عاملاً أساسياً لإنجاح مشاريع الطاقة العابرة للحدود.
كما لفتت الدراسة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل باتخاذ خطوات لدعم هذا التوجه، شملت تخفيف بعض العقوبات وإعادة دمج البنك المركزي السوري تدريجياً بالنظام المالي العالمي، إضافة إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة.
وأعادت تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية، توماس باراك، خلال مؤتمر عقد في واشنطن مطلع عام 2026، إحياء فكرة “البحار الأربع”، حيث اعتبر أن سورية يمكن أن تصبح بديلاً استراتيجياً للممرات البحرية المعرضة للتوترات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
أربعة ممرات رئيسية للطاقة
وتقترح الدراسة إنشاء شبكة متكاملة تضم أربعة ممرات استراتيجية لنقل النفط والغاز:
* ممر الخليج – المتوسط لنقل النفط من السعودية والإمارات والكويت عبر الأردن إلى ميناء بانياس السوري.
* ممر العراق – سورية عبر إعادة تشغيل وتوسيع خط كركوك – بانياس.
* ممر بحر قزوين – الأناضول من خلال ربط الشبكات السورية بخطوط الغاز القادمة من أذربيجان وتركمانستان عبر الأراضي التركية.
* تطوير خط الغاز العربي الممتد من مصر مروراً بالأردن وسورية وصولاً إلى تركيا وأوروبا.
وتؤكد الدراسة أن سورية تمتلك بنية تحتية يمكن البناء عليها، إذ كانت تدير قبل الحرب أكثر من 6300 كيلومتر من خطوط النفط والغاز، ما يجعل إعادة التأهيل أقل تكلفة من إنشاء شبكات جديدة بالكامل.
عوائد اقتصادية واعدة
تشير التقديرات إلى أن المشروع قد يشكل نقطة تحول اقتصادية لسوريا، ليس فقط عبر رسوم عبور الطاقة، بل أيضاً من خلال إعادة إحياء قطاع النفط والغاز المحلي.
فبعد تراجع الإنتاج النفطي من نحو 380 ألف برميل يومياً قبل الحرب إلى قرابة 110 آلاف برميل مطلع عام 2026، تستهدف المؤسسة السورية للنفط رفع الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً قبل نهاية العام، ثم إلى نحو 800 ألف برميل يومياً بحلول عام 2029.
وتقدر الدراسة الاحتياطات النفطية القابلة للاستخراج بنحو 2.5 مليار برميل، مع توقعات بتحقيق عائدات سنوية تتراوح بين 4.6 و6.1 مليارات دولار، فضلاً عن فرص استكشاف جديدة في شرق البحر المتوسط.
كما تتوقع أن تحقق سورية مستقبلاً ما بين 3 و6 مليارات دولار سنوياً من رسوم عبور النفط والغاز، لترتفع الإيرادات الإجمالية المرتبطة بالطاقة إلى ما بين 8 و12 مليار دولار سنوياً خلال العقد المقبل، ما يوفر مورداً مهماً لدعم جهود إعادة الإعمار وتحسين الخدمات العامة.
أبعاد جيوسياسية تتجاوز الاقتصاد
ولا تنظر الدراسة إلى المشروع من زاوية اقتصادية فقط، بل تعتبره جزءاً من التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة. ففي الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، ترى الولايات المتحدة في المشروع فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي ودعم حلفائها الإقليميين.
كما تشير الدراسة إلى أن “مبادرة البحار الأربع” قد تمثل أحد الردود الغربية على توسع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وفي هذا السياق، تقترح إنشاء صندوق استثماري يحمل اسم “اتحاد البنية التحتية للبحار الأربع” برأسمال أولي يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار، مع إمكانية جذب استثمارات تصل إلى 30 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وصناديق الثروة السيادية الخليجية وشركات الطاقة العالمية.
خارطة طريق حتى عام 2035
وضعت الدراسة مجموعة من التوصيات العملية التي تبدأ خلال عام 2026، من أبرزها اعتبار المشروع أولوية استراتيجية أمريكية وأوروبية، وتأمين تمويل أولي للمبادرة، إضافة إلى تأسيس إطار قانوني وتنظيمي خاص بقطاع الطاقة السوري.
أما خلال الفترة بين 2027 و2028، فتقترح الدراسة بدء تنفيذ مشاريع خطوط الأنابيب الرئيسية وتأمين التمويل اللازم لها، وصولاً إلى تشغيل الممرات الأربعة بكامل طاقتها بين عامي 2029 و2035.
وتخلص الدراسة إلى أن القضية لم تعد مرتبطة بإمكانية تحول سورية إلى مركز إقليمي للطاقة، بل بمن سيمول هذا التحول ومن سيضع قواعده الاقتصادية والسياسية.
وترى أن نجاح المشروع قد يؤدي إلى إنشاء أول شبكة طاقة متكاملة تربط الخليج العربي بأوروبا الشرقية، ما قد يعيد رسم الخريطة الاقتصادية والجيوسياسية للمنطقة لعقود قادمة.
تلفزيون سوريا



