اقتصاد

هل أصبح القطاع الخاص شريكاً في صناعة القرار الاقتصادي بسورية؟

أعاد المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص، الذي استضافته دمشق بمشاركة واسعة من المسؤولين ورجال الأعمال والمستثمرين وممثلي غرف التجارة والصناعة، تسليط الضوء على طبيعة العلاقة الجديدة بين الحكومة والقطاع الخاص، ومدى تحول هذا القطاع من مجرد مساهم في النشاط الاقتصادي إلى شريك فعلي في رسم السياسات الاقتصادية وصناعة القرار.
ويأتي انعقاد المؤتمر في ظل توجهات حكومية تتحدث عن مرحلة اقتصادية جديدة تقوم على تحسين بيئة الاستثمار، وتطوير النظام الضريبي، وتوسيع أدوات التمويل، ومنح القطاع الخاص دوراً أكبر في عملية التعافي وإعادة تنشيط الاقتصاد.
وخلال افتتاح أعمال المؤتمر، أكد وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار أن الخصخصة لا تعني التخلي عن ممتلكات الدولة أو أصولها، بل تهدف إلى رفع كفاءة الإدارة وجذب الاستثمارات وتخفيف الأعباء المالية عن الخزينة العامة. وأوضح أن الاقتصاد الحر لا يلغي دور الدولة، بل يجعلها جهة منظمة للسوق وحامية للمنافسة العادلة وشبكات الأمان الاجتماعي.
وأشار الشعار إلى أن دور الدولة خلال المرحلة المقبلة سيركز على الرقابة ومنع الاحتكار وتوجيه الموارد نحو القطاعات الحيوية والاستراتيجية، مع العمل على تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاندماج في الأسواق الإقليمية والدولية.
وضوح أكبر بشأن هوية الاقتصاد السوري
ويرى الباحث الاقتصادي أسامة القاضي أن أبرز ما حققه المؤتمر يتمثل في تقديم رؤية أوضح حول النموذج الاقتصادي الذي تتجه سوريا إلى اعتماده خلال السنوات القادمة.
وأوضح القاضي أن المستثمرين العرب والأجانب والمؤسسات الاقتصادية الدولية كانوا يبحثون خلال الفترة الماضية عن إجابة لسؤال جوهري يتعلق بطبيعة الاقتصاد السوري بعد سنوات الحرب، معتبراً أن الرسائل التي خرج بها المؤتمر ساهمت في إزالة جانب مهم من حالة الغموض.
وبحسب القاضي، فإن الحكومة قدمت نفسها باعتبارها تتبنى نموذج “اقتصاد السوق الموجه”، الذي يجمع بين آليات السوق الحرة ودور الدولة الرقابي والاجتماعي، مع التركيز على الحوكمة ومنع الاحتكار والاستقرار القانوني والتشريعي.
وأضاف أن الرسالة الأبرز للمستثمرين كانت أن الدولة لا تتجه نحو بيع مؤسسات القطاع العام، وإنما نحو توسيع الشراكات مع القطاع الخاص مع الحفاظ على سيطرتها على القطاعات الاستراتيجية والحيوية.
القطاع الخاص بين الحضور الاقتصادي والشراكة المؤسسية
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن القطاع الخاص يساهم بأكثر من 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويستحوذ على الحصة الأكبر من النشاط التجاري والاستيرادي في البلاد.
ويؤكد القاضي أن القطاع الخاص كان دائماً لاعباً أساسياً في الاقتصاد السوري، سواء قبل الحرب أو بعدها، إلا أن التطور الجديد يتمثل في مستوى الحوار والتنسيق الذي بدأ يتشكل بينه وبين الجهات الحكومية المعنية بصنع القرار.
ويعتبر أن المؤتمر أوجد مساحة مباشرة للنقاش بين الحكومة وغرف التجارة والصناعة وممثلي رجال الأعمال، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً نحو إشراك الفاعلين الاقتصاديين في مناقشة السياسات الاقتصادية بدلاً من اقتصار القرارات على الجهات الرسمية فقط.
كما لفت إلى أن استجابة الحكومة خلال الأشهر الماضية لعدد من المقترحات والملاحظات المقدمة من غرف التجارة والصناعة بشأن الرسوم والإجراءات الاقتصادية تعد مؤشراً على تنامي دور هذه المؤسسات في التأثير على القرارات الاقتصادية.
إصلاحات ضريبية وتحفيز للاستثمار
وفي سياق متصل، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن الوزارة تعمل على تنفيذ استراتيجية تمتد حتى عام 2030، تستهدف تطوير النظام المالي وتعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال.
وأكد أن جميع الإصلاحات المطروحة تصب في اتجاه دعم القطاع الخاص وتمكينه من أداء دور أكبر في الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن إصلاح النظام الضريبي يشكل أحد أهم محاور هذه الرؤية.
وكشف برنية عن توجه لخفض الحد الأعلى لضريبة الدخل إلى 15 بالمئة بدلاً من 35 بالمئة، مع إمكانية منح نسب أقل لبعض القطاعات الصناعية والاستثمارية، إضافة إلى تقديم إعفاءات ضريبية تصل إلى أربع سنوات للمنشآت المتضررة في القطاعات الصناعية والتجارية والسياحية.
كما تشمل الإجراءات معالجة القروض المتعثرة وإعادة جدولتها بهدف مساعدة المنشآت على استئناف نشاطها والعودة إلى الإنتاج.
ويرى القاضي أن هذه الحوافز قد تسهم في جذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية، خاصة إذا ترافقت مع استقرار تشريعي وإداري، مؤكداً أن توسيع قاعدة المستثمرين والمنشآت المنتجة يحقق للدولة عوائد أكبر على المدى المتوسط مقارنة برفع معدلات الضرائب.
التمويل والتكنولوجيا في صدارة الأولويات
ومن بين الخطوات التي تم الإعلان عنها أيضاً، برنامج للتسهيلات التمويلية سيتم تنفيذه بالشراكة بين المصارف العامة والخاصة، بضمانات سيادية من الدولة، بهدف تمويل تحديث خطوط الإنتاج وإدخال التقنيات الحديثة إلى المنشآت الصناعية والتجارية.
كما كشف مدير هيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة إيهاب زكور عن العمل على منصة تمويل إلكترونية تربط أصحاب المشاريع بالجهات التمويلية والمصارف، لتسهيل الوصول إلى التمويل وتوجيهه نحو المشاريع القادرة على الاستمرار والنمو.
تحديات ما تزال قائمة
ورغم المؤشرات الإيجابية التي حملها المؤتمر، يؤكد خبراء اقتصاديون أن الاقتصاد السوري لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتعلق باستقرار سعر الصرف، وإدارة السيولة النقدية، وتطوير القطاع المصرفي.
ويشير القاضي إلى أن عملية استبدال العملة واجهت صعوبات انعكست على حركة السيولة في الأسواق، الأمر الذي يتطلب تطوير الخدمات المصرفية وتوسيع الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني لتعزيز الثقة بالليرة السورية وتحسين إدارة السياسة النقدية.
وفي المحصلة، يبدو أن الحكومة السورية تتجه نحو منح القطاع الخاص مساحة أكبر في الاقتصاد وصناعة القرار، إلا أن نجاح هذه الشراكة سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات المعلنة، وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وتوفير بيئة استثمارية أكثر شفافية وقدرة على جذب رؤوس الأموال وتحفيز الإنتاج.
تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى