“الحزنبل”.. طبق تراثي سوري يصمد أمام الحلويات الحديثة

في مدينة صافيتا السورية، لا تزال حلوى تراثية غريبة الاسم، صعبة التحضير، لكنها عزيزة على القلب، تصمد في وجه زحف الحلويات والمربيات الحديثة. اسمها “الحزنبل”.
نشاط تراثي في قصر الثقافة لإنقاذ الذاكرة
ضمن فعاليات “أسبوع التراث اللامادي”، نظّم قصر الثقافة في مدينة صافيتا (محافظة طرطوس) نشاطاً مميزاً للتعريف بهذه الحلوى الشعبية الفريدة. الهدف كان واضحاً: إبقاء “الحزنبل” حياً في ذاكرة الأجيال، رغم مراحل صنعه الشاقة والمرهقة.
لماذا سعر “الحزنبل” مرتفع؟
يُعرف هذا الطبق محلياً باسم “الحزنبل الصفتلي”، نسبة إلى مدينته صافيتا. هو ليس مربى عادياً، بل هو أغلى ثمناً من غيره من المربيات، والسبب ببساطة هو الجهد الأسطوري الذي يتطلبه إعداده. كل شيء يبدأ من استخراج الجذور من تحت الأرض، ثم تنظيفها ومعالجتها يدوياً، وهذا لا يأتي سهلاً أبداً.
من صافيتا إلى العالم.. دور المغتربين ووسائل التواصل
رغم أن “الحزنبل” يبقى طبقاً محلياً بامتياز، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في انتشار صيته مؤخراً، فأصبح معروفاً خارج حدود المنطقة.
بل إن هناك فصلاً خاصاً في قصته مع أبناء صافيتا المغتربين، الذين يحرصون على حمله معهم إلى بلاد الاغتراب. إنه ليس مجرد طعام بالنسبة لهم، بل قطعة حقيقية من الذاكرة والوطن، وحلوى ارتبطت بهم منذ سنين الطفولة.
السر في الجذور: نبات “الأخيلية” البري
القصة الحقيقية لهذا المربى تبدأ من نبات عشبي معمر ينمو برياً في مناطق حوض المتوسط. اسمه العلمي “الأخيلية أم الألف ورقة”، لكن أهالي صافيتا يعرفونه جيداً باسم “الحزنبل البري”. جذوره هي السر الذي يتحول بعد أيام إلى تلك الحلوى الساحرة.
بالتفصيل: رحلة صنع “الحزنبل” التي تستغرق أياماً
صنع “الحزنبل” ليس مجرد وصفة، بل هو طقوس متكاملة تحتاج إلى صبر نساء صافيتا وحنانهن. إليك خطواتها:
- البداية من الأرض: تبدأ الرحلة باستخراج جذور نبات الحزنبل البري من باطن الأرض.
- التنظيف والنقع: تُنظف الجذور جيداً، ثم تُنقع في الماء لساعات طويلة.
- السلق والتصفية: بعد نضجها، تُصفى من الماء وتُنظف مجدداً.
- التغيير المتكرر للماء: وهنا يكتمل الصبر، إذ يتم تغيير الماء على الجذور بشكل متكرر لمدة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام، للتخلص من أي مرارة.
- مرحلة الطهي النهائية: توضع الجذور في ماء جديد، وتُضاف إليها كميات متساوية من السكر، مع القليل من الصبغة الملونة التقليدية والقرنفل لإضفاء النكهة واللون.
- التجفيف والتخزين: يُغلى الخليط جيداً حتى يمتزج وينضج، ثم يُفرد على أطباق حتى يجف تماماً، وأخيراً يُحفظ في أوعية زجاجية خاصة.
السيدات يصنعن المستقبل… حفاظاً على الماضي
الخبر المفرح أن سيدات وربات البيوت في صافيتا ما زلن متمسكات بهذا الإرث الحلو، رغم تعبه. هن لا يكتفين بصنعه، بل يحرصن على تعليم خطواته للأجيال الشابة، لضمان أن يبقى “الحزنبل الصفتلي” حاضراً في كل بيت، وقصة تروى للأحفاد، ومربى لا يقهره الزمن.
إرم نيوز



