في أفغانستان والعراق.. لماذا تعجز الطائرات الأمريكية عن الطيران

في الثامن من يوليو (تموز) 2021، بدا الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن واثقاً من قدرة الحكومة الأفغانية على الصمود بعد الانسحاب الأمريكي.
وعندما سُئل عن احتمال سيطرة حركة طالبان على البلاد، أكد أن القوات الحكومية تمتلك نحو 300 ألف جندي مدربين ومجهزين، إضافة إلى قوة جوية متطورة، في مواجهة ما يقارب 75 ألف مقاتل من طالبان.
لكن الأحداث سارت في اتجاه مختلف تماماً.
فخلال أسابيع قليلة انهارت المؤسسات العسكرية والأمنية الأفغانية، وسقطت كابول بيد طالبان، بينما عجزت القوة الجوية التي أنفقت عليها الولايات المتحدة مليارات الدولارات عن تغيير مسار المعركة أو حماية الجيش الذي أُنشئت لدعمه.
وشكّل هذا الانهيار نهاية مشروع عسكري استمر عقدين من الزمن، شاركت فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي، وكشف عن خلل بنيوي في استراتيجية بناء الجيوش الشريكة التي اعتمدتها واشنطن في مناطق النزاعات.
تجربة مكلفة انتهت بالانهيار
أظهرت التجربة الأفغانية أن امتلاك الطائرات والأسلحة الحديثة لا يعني بالضرورة امتلاك قوة جوية فعالة ومستقلة.
فعلى الرغم من إنفاق الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات على تجهيز الجيش الأفغاني وتدريبه، بقيت معظم المنظومات العسكرية مرتبطة بشكل مباشر بالدعم الأمريكي في مجالات الصيانة والتخطيط والاستخبارات والإمداد.
هذا الواقع دفع مكتب المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) إلى تخصيص دراسة موسعة حول أسباب انهيار قوات الأمن الأفغانية، خلصت إلى أن الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي كان من أبرز العوامل التي عجّلت بالسقوط.
كما تناولت دراسات وأبحاث أمريكية لاحقة التجربتين العراقية والأفغانية، معتبرة أن الإشكالية لم تكن في نقص المعدات أو التمويل، بل في بناء مؤسسات عسكرية عاجزة عن العمل بصورة مستقلة عند غياب الشريك الأمريكي.
سلاح الجو الأفغاني.. نقطة القوة التي تحولت إلى نقطة ضعف
اعتمد الجيش الأفغاني طوال سنوات الحرب على المظلة الجوية الأمريكية التي وفرت الإسناد القتالي والإخلاء الطبي والنقل والإمداد والمعلومات الاستخباراتية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الخدمات من عنصر دعم إضافي إلى شرط أساسي لاستمرار العمليات العسكرية.
وبعد توقيع اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وطالبان عام 2020، بدأت الغارات الجوية الأمريكية بالتراجع بشكل حاد، ما منح طالبان مساحة أوسع للتحرك وإعادة تنظيم قواتها.
في الوقت ذاته، واجه سلاح الجو الأفغاني أزمة كبيرة في الصيانة والتشغيل.
فعندما انسحب المتعاقدون الأمريكيون المسؤولون عن الدعم الفني، لم يكن لدى الأفغان العدد الكافي من الفنيين المؤهلين للحفاظ على جاهزية الطائرات.
ومع تزايد الأعطال وتراجع أعمال الصيانة، خرجت أعداد متزايدة من المروحيات والطائرات عن الخدمة خلال أشهر قليلة.
وبحلول صيف 2021، تراجعت القدرة العملياتية لسلاح الجو الأفغاني بشكل كبير، ما انعكس مباشرة على قدرة الجيش في إيصال الإمدادات وتنفيذ عمليات الإخلاء ودعم الوحدات المنتشرة في المناطق النائية.
تحديات التعليم والخبرة الفنية
واجهت برامج التدريب الأمريكية عقبات تتعلق بمستويات التعليم والخبرة التقنية لدى المجندين.
فمعظم الطائرات والمعدات الحديثة كانت تحتاج إلى كوادر قادرة على التعامل مع كتيبات تشغيل وصيانة باللغة الإنجليزية، وهو ما شكل تحدياً كبيراً في ظل ارتفاع معدلات الأمية وضعف التأهيل الفني.
كما واجه الطيارون الأفغان صعوبات في استيعاب الأنظمة الجوية المتقدمة، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإخفاق في برامج التدريب مقارنة بالمعدلات المسجلة داخل القوات الجوية الأمريكية.
من المروحيات الروسية إلى “بلاك هوك”
أحد أكثر القرارات إثارة للجدل كان استبدال المروحيات الروسية التي اعتاد الأفغان تشغيلها وصيانتها بمروحيات “بلاك هوك” الأمريكية الأكثر تعقيداً.
ورغم أن القرار جاء في إطار العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا بعد أزمة القرم، فإنه زاد من اعتماد القوات الأفغانية على الخبراء والمقاولين الأمريكيين، إذ تطلب تشغيل هذه المروحيات مستويات أعلى من التدريب والدعم الفني.
ومع انسحاب هؤلاء الخبراء، واجهت الطائرات الأمريكية الجديدة صعوبات تشغيلية كبيرة، ما ساهم في تراجع الجاهزية الجوية خلال المرحلة الحاسمة من الحرب.
العراق.. تكرار للمشكلة نفسها
لم تكن أفغانستان الحالة الوحيدة. ففي العراق، اتبعت الولايات المتحدة نهجاً مشابهاً بعد عام 2003، عندما أعادت بناء القوات المسلحة العراقية وأنشأت سلاحاً جوياً جديداً لدعم عمليات مكافحة التمرد.
ومع صعود تنظيم داعش عام 2014، عادت واشنطن لإرسال مئات المستشارين العسكريين، لكنها وجدت مؤسسة جوية تعاني مشكلات تنظيمية وفنية معقدة، نتيجة الاعتماد على أسلحة ومنظومات متعددة المصادر، إضافة إلى استمرار تحديات اللغة والتدريب.
ورغم استثمار مليارات الدولارات في برنامج طائرات “إف-16″، بقيت القدرات القتالية الجوية العراقية محدودة مقارنة بالطموحات التي رافقت المشروع عند إطلاقه.
دروس ما بعد الانسحاب
تكشف تجربتا العراق وأفغانستان أن المشكلة لم تكن في نقص الطائرات أو التمويل، بل في طبيعة النموذج الذي اعتمدته الولايات المتحدة لبناء الجيوش الشريكة.
فقد جرى إنشاء مؤسسات عسكرية تعتمد بشكل كبير على الخبرة والدعم الأمريكيين في مجالات التخطيط والصيانة والاستخبارات والإمداد.
وعندما تراجع هذا الدعم أو اختفى، ظهرت هشاشة تلك المؤسسات بسرعة، وفقدت قدرتها على مواصلة العمل بالكفاءة المطلوبة.
وتشير هذه التجارب إلى أن بناء قوة جوية مستقلة لا يتحقق بشراء الطائرات فقط، بل يتطلب استثماراً طويل الأمد في التعليم والتدريب والبنية التقنية والإدارية، وهي عملية معقدة ومكلفة قد تنتج في النهاية شريكاً أكثر استقلالية وأقل اعتماداً على الدولة الراعية.
ومن هنا، تبدو تجربة العراق وأفغانستان مثالاً واضحاً على المعضلة التي تواجهها واشنطن في بناء حلفائها العسكريين؛ فهي تسعى إلى إنشاء قوات قادرة على القتال إلى جانبها، لكنها تتردد في منحها المقومات الكاملة التي تجعلها قادرة على العمل باستقلالية تامة مستقبلاً.
الجزيرة



