من الحقول إلى رغيف الخبز.. كيف يهدد فيضان الفرات الأمن الغذائي في سورية؟

تتزايد المخاوف من التداعيات الاقتصادية والزراعية لارتفاع منسوب مياه نهر الفرات في سورية، بعد أن تسببت الفيضانات الأخيرة بغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في محافظتي الرقة ودير الزور، ما ألحق أضراراً بالمحاصيل والمنازل والبنية الخدمية، وأثار تساؤلات حول تأثير ذلك على الأمن الغذائي للبلاد.
وجاءت هذه التطورات عقب ارتفاع غير مسبوق في مناسيب المياه وفتح بوابات مفيض سد الفرات لتخفيف الضغط عن البحيرة والمجرى النهري، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأراضي الزراعية الواقعة على ضفاف النهر.
اعتماد متزايد على الاستيراد
تُظهر تقديرات دولية أن سوريا ستحتاج خلال موسم 2025-2026 إلى استيراد نحو 3 ملايين طن من القمح، بزيادة تقارب 70% عن متوسط السنوات الخمس الماضية، ما يكشف حجم الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك قبل وقوع الفيضانات الأخيرة.
ويُعد القمح من أهم المحاصيل الاستراتيجية في البلاد، إذ يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي وإنتاج الخبز وسياسات الدعم الحكومي، ما يجعل أي تراجع في الإنتاج المحلي عاملاً إضافياً يرفع الحاجة إلى الاستيراد بالقطع الأجنبي ويزيد الضغوط على الاقتصاد الوطني.
أضرار مباشرة في الرقة ودير الزور
وبحسب التقديرات الأولية، تضررت أكثر من 2400 عائلة في محافظة دير الزور، فيما غمرت المياه نحو 1500 دونم من الأراضي الزراعية في ريف الرقة الغربي. كما أشارت بيانات رسمية إلى خسائر أولية في محصول القمح تُقدّر بنحو 200 ألف دولار.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الخسائر تتجاوز حدود القطاع الزراعي، نظراً لارتباط القمح بمختلف مفاصل الاقتصاد السوري، بدءاً من الأمن الغذائي وصولاً إلى الاستقرار النقدي وأسعار الصرف.
خسائر للمزارعين والدولة
وأوضح الخبير الاقتصادي جورج خزام أن تراجع إنتاج القمح نتيجة الفيضانات سيؤدي إلى انخفاض الكميات التي كانت المؤسسات الحكومية ستشتريها من المزارعين، مقابل زيادة الحاجة إلى الاستيراد من الأسواق الخارجية، ما يرفع الطلب على العملات الأجنبية ويزيد الضغط على الاحتياطيات النقدية.
وأضاف أن آلاف المزارعين سيفقدون جزءاً مهماً من دخلهم السنوي، الأمر الذي سينعكس على النشاط الاقتصادي في المناطق الريفية ويؤدي إلى تراجع مستويات الإنفاق والاستهلاك المحلي.
وأشار إلى أن تداعيات الكارثة قد تمتد إلى الموسم الزراعي المقبل، في حال عجز المزارعون عن تأمين مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة ومحروقات، ما لم تُقدَّم لهم تعويضات أو تسهيلات تمويلية تساعدهم على استعادة نشاطهم الزراعي.

مخاوف من ارتفاع التضخم
ولفت خزام إلى أن انخفاض حجم الإنتاج الزراعي المحلي يقابله استمرار تداول الكتلة النقدية نفسها تقريباً، ما يؤدي إلى تراجع التغطية السلعية للعملة المحلية ويفرض ضغوطاً تضخمية إضافية على الأسواق.
وبحسب تقديره، فإن نقص السلع المحلية قد يدفع الأسعار نحو الارتفاع ويزيد الإقبال على العملات الأجنبية كوسيلة للتحوط، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على سعر الصرف ومستويات المعيشة.
كما حذر من أن استمرار الخسائر قد يدفع بعض المزارعين إلى بيع أراضيهم نتيجة الضائقة المالية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيّرات اقتصادية واجتماعية في بنية الملكية الزراعية بالمناطق المتضررة.
موسم واعد تعرض لانتكاسة
وكانت المؤشرات الزراعية الرسمية قد أظهرت توقعات إيجابية للموسم الحالي، حيث قُدّر إنتاج محافظة الحسكة وحدها بنحو 1.2 مليون طن من القمح، مقارنة بنحو 400 ألف طن فقط في الموسم السابق الذي تأثر بالجفاف وقلة الأمطار.
إلا أن الفيضانات الأخيرة أعادت المخاوف بشأن حجم الإنتاج النهائي، ووضعت علامات استفهام حول قدرة الموسم الحالي على تحقيق النتائج المأمولة.
إجراءات حكومية لدعم المنتجين
وفي محاولة لدعم المزارعين وتشجيع تسليم المحصول، أصدرت الحكومة السورية مرسوماً يقضي بمنح مكافأة تشجيعية قدرها 9 آلاف ليرة سورية جديدة عن كل طن قمح يتم تسليمه، إضافة إلى سعر الشراء الرسمي المحدد بـ46 ألف ليرة للطن.

تحديات تتجاوز الموسم الحالي
وتشير بيانات المؤسسة السورية للحبوب إلى أن احتياجات البلاد السنوية تبلغ نحو 2.5 مليون طن من القمح، في حين يقدّر المخزون الحالي بحوالي مليون طن فقط، ما يترك فجوة كبيرة تتطلب تأمين كميات إضافية عبر الاستيراد.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو فيضانات الفرات أكثر من مجرد حادثة موسمية عابرة، إذ تمثل تحدياً جديداً يضاف إلى الضغوط الاقتصادية والزراعية التي تواجهها سورية، مع انعكاسات محتملة تمتد من الحقول الزراعية إلى أسعار الغذاء ومستويات الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة.
الحل



