اخترق النخبة السورية.. الجاسوس الإسرائيلي “كمال” من شقة فارهة في دمشق إلى الأرشيف في تل أبيب

سلّط تقرير نشرته قناة “آي 24 نيوز” الضوء على قصة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، الذي يُعد من أبرز عملاء الاستخبارات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، بعدما تمكن خلال ستينيات القرن الماضي من التغلغل داخل الأوساط السياسية والعسكرية السورية تحت هوية مزيفة لرجل أعمال يُدعى “كمال أمين ثابت”.
وبحسب التقرير، ما تزال قضية كوهين تحظى باهتمام واسع داخل إسرائيل حتى اليوم، خاصة مع عودة جزء من أرشيفه الاستخباراتي من سوريا خلال عام 2025.
من هو إيلي كوهين؟
وُلد إيلي كوهين عام 1924 في مدينة الإسكندرية المصرية لعائلة يهودية تعود أصولها إلى مدينة حلب السورية. وعاش في بيئة شهدت تصاعدًا للقومية العربية في تلك الفترة، قبل أن ينخرط لاحقًا في نشاطات مرتبطة بالحركة الصهيونية.
وفي عام 1957 انتقل إلى إسرائيل، حيث عمل محاسبًا لفترة قصيرة، قبل أن يتم تجنيده ضمن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لينتقل بعدها إلى العمل مع جهاز الموساد تحت إشراف مباشر من رئيسه آنذاك مائير عميت.
صناعة هوية “كمال أمين ثابت”
خضع كوهين لتدريبات مكثفة شملت التشفير والعمل السري وبناء الشخصيات الوهمية، ليبدأ بعدها تنفيذ واحدة من أخطر عمليات الاختراق الاستخباراتي في المنطقة.
واعتمد الموساد على تقديمه كرجل أعمال سوري ثري عاد من الأرجنتين إلى بلاده، وهي الشخصية التي أتاحت له بناء شبكة علاقات واسعة مع شخصيات سورية بارزة.
وخلال إقامته في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، نجح كوهين في التقرب من شخصيات سورية وعربية مرتبطة بحزب البعث، ما ساعده لاحقًا على دخول المجتمع السياسي السوري بسهولة.
من شقة فاخرة في دمشق إلى قلب المؤسسة العسكرية
وصل إيلي كوهين إلى دمشق مطلع عام 1962، واستقر في شقة فاخرة بأحد الأحياء الراقية، حيث بدأ بتنظيم حفلات وعلاقات اجتماعية استهدفت ضباطًا ومسؤولين سوريين.
ووفق التقرير، استطاع “كمال أمين ثابت” كسب ثقة شخصيات نافذة داخل الجيش والبرلمان السوري، مستفيدًا من أسلوبه الاجتماعي وكاريزمته العالية.
وكان كوهين يستغل هذه اللقاءات للحصول على معلومات حساسة تتعلق بتحركات الجيش السوري والخلافات السياسية داخل السلطة.
أشجار الكافور التي تحولت إلى علامات عسكرية
من أبرز المعلومات المرتبطة بعمل كوهين الاستخباراتي، مشاركته في زيارات إلى مواقع عسكرية سورية في هضبة الجولان برفقة ضباط سوريين.
وخلال تلك الجولات، اقترح زراعة أشجار الكافور قرب المواقع العسكرية بهدف توفير الظل للجنود، إلا أن هذه الأشجار تحولت لاحقًا إلى علامات مكشوفة ساعدت الجيش الإسرائيلي في تحديد مواقع التحصينات السورية خلال حرب عام 1967.
كيف سقط الجاسوس الإسرائيلي؟
مع تزايد عمليات تسريب المعلومات، بدأت الاستخبارات السورية تكثيف جهودها لاكتشاف مصدر الاختراق الأمني.
وبحسب التقرير، فإن كوهين استمر بإرسال الرسائل المشفرة بوتيرة مرتفعة، ما أثار الشبهات حوله، إلى جانب علاقاته المتشعبة مع شخصيات مثيرة للجدل.
وفي 24 يناير عام 1965، داهمت قوات الأمن السورية شقته في دمشق أثناء قيامه بإرسال رسائل لاسلكية، ليتم القبض عليه متلبسًا بجهاز الإرسال.
محاكمة وإعدام في ساحة المرجة
تعرض إيلي كوهين لتحقيقات قاسية بعد اعتقاله، بينما مارست إسرائيل ودول غربية ضغوطًا دبلوماسية واسعة لتخفيف الحكم الصادر بحقه.
لكن السلطات السورية رفضت الاستجابة لهذه الضغوط، ليتم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بحق كوهين في 18 مايو عام 1965 بساحة المرجة وسط العاصمة دمشق، أمام حشد من المواطنين.
وبقيت جثته داخل سوريا منذ ذلك الوقت، وسط رفض سوري متواصل لتسليم رفاته إلى إسرائيل.
أرشيف إيلي كوهين يعود إلى إسرائيل
كشف التقرير عن تطورات جديدة تتعلق بملف إيلي كوهين خلال عام 2025، بعدما تحدثت مصادر إعلامية إسرائيلية عن عملية سرية جرت في محافظة السويداء جنوب سوريا لنقل أرشيف مرتبط به إلى إسرائيل.
وذكرت التقارير أن العملية أسفرت عن استعادة نحو 2500 وثيقة وصورة ومقتنيات شخصية تعود لكوهين، كانت محفوظة داخل مقرات أمنية سورية شديدة السرية.
وتضمنت المواد المستعادة رسائل بخط يده، ووثائق من جلسات التحقيق، إضافة إلى مفاتيح شقته في دمشق.
وصية أخيرة ورسائل إلى زوجته
من بين أبرز الوثائق التي كُشف عنها، نسخة أصلية من الوصية التي كتبها إيلي كوهين قبل ساعات من تنفيذ حكم الإعدام بحقه.
كما تضمنت الملفات أرشيفًا خاصًا بزوجته ناديا كوهين، أظهر متابعة أجهزة الاستخبارات السورية لتحركاتها ورسائلها التي كانت توجهها إلى قادة العالم للمطالبة بالإفراج عن زوجها.
هل تعود رفاته إلى إسرائيل؟
اختتم التقرير بالإشارة إلى أن ملف استعادة رفات إيلي كوهين عاد إلى الواجهة مجددًا، مع تصاعد التوقعات بإمكانية نقل رفاته إلى إسرائيل في المستقبل القريب، بعد أكثر من ستة عقود على إعدامه في دمشق.
وتبقى قصة إيلي كوهين واحدة من أكثر قصص التجسس إثارة في تاريخ الصراع السوري الإسرائيلي، لما حملته من اختراقات أمنية وأبعاد سياسية امتدت آثارها لعقود طويلة.
روسيا اليوم



