اخبار سريعة

دمشق.. “ركود استهلاكي” في أسواق الألبسة قبيل العيد

تخيم حالة من الجمود التجاري على أسواق الألبسة في العاصمة دمشق مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، حيث تبدو الحركة الشرائية أقل حيوية بكثير مقارنة بالمواسم الماضية. ويعود هذا التراجع الملحوظ إلى معادلة اقتصادية معقدة تجمع بين الارتفاع الحاد في أسعار السلع وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي دفع معظم العائلات السورية إلى تغيير أولوياتها وتقليص نفقات “كسوة العيد” إلى حدودها الدنيا، أو الاكتفاء بشراء المستلزمات الضرورية فقط. وفي المقابل، يبدي التجار قلقاً واضحاً من هذا الركود، واصفين الإقبال الحالي بالخجول والضعيف، وسط مخاوف من استمرار تراجع المبيعات مقارنة بالسنوات السابقة.

جولة في أسواق دمشق: أسعار تفوق التوقعات
أجرت منصة “عنب بلدي” جولة ميدانية شملت أشهر أسواق دمشق: الحميدية، الحمراء، الشعلان، الصالحية، والصناعة. وتبين أن الأسعار تختلف من محل لآخر بناءً على الموقع، مصدر البضاعة، وجودتها.

أسعار ألبسة الأطفال (من سنة إلى 12 سنة)
الطقم الكامل: بين 750 ألف ليرة ومليون ليرة.

البنطال: 100 – 350 ألف ليرة.

الكنزة: 175 – 450 ألف ليرة.

أسعار الألبسة الشبابية
البنطال: 150 – 400 ألف ليرة.

الكنزة: 175 – 425 ألف ليرة.

القميص: 225 – 900 ألف ليرة.

أسعار الألبسة النسائية
البنطال: 250 – 450 ألف ليرة.

الكنزة: 250 – 500 ألف ليرة.

الطقم الكامل: 450 ألف – 1.2 مليون ليرة سورية.

أمهات وآباء يتحدثون: “كسوة العيد لم تعد في الحسابات”
سعاد، أم لثلاثة أطفال، قالت لـ”عنب بلدي” إن شراء ملابس العيد أصبح “خارج حسابات كثير من العائلات” هذا العام، مشيرة إلى أن الأسعار ارتفعت بشكل واضح مقارنة بالعيد الماضي. وأضافت: “أصبحنا نفكر كيف نؤمن الأساسيات قبل أي شيء آخر، وحتى الأطفال باتوا يدركون أن الوضع لا يسمح بشراء كل ما يريدونه”.

أحمد العيني، موظف في القطاع الخاص، قال إن جولة التسوق هذا العام تقتصر على السؤال عن الأسعار والمقارنة بين المحال فقط. وأضاف أن معظم العائلات لم تعد قادرة على شراء كسوة كاملة لأفرادها، ففي السابق كانوا يخصصون مبلغاً للعيد، أما اليوم فالراتب بالكاد يكفي الطعام والفواتير.

تجار يتحدثون عن ركود ومقارنات سريعة
عمر الأسمر، صاحب محل ألبسة رجالية في سوق الحمراء، قال لـ”عنب بلدي” إن حركة السوق أقل من المتوقع بكثير، وكثير من الزبائن يدخلون المحل للاستفسار فقط دون إتمام الشراء. وعزا ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن وأسعار المواد الأولية، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية.

عبد الله الأسعد، صاحب محل ألبسة ولادية في منطقة الشعلان، قال إن معظم المبيعات تتركز الآن على القطع الأرخص سعراً، بينما تراجعت مبيعات الأطقم الكاملة بشكل حاد. وأضاف: “هناك زبائن يدخلون ويسألون عن سعر القطعة ثم يغادرون مباشرة، لأن الأسعار أصبحت فوق قدرة أغلب العائلات. حتى الآن لم تُبع ربع كمية البضاعة”.

خبير اقتصادي: ما نراه هو “إقبال اضطراري” وليس طلباً حقيقياً
في حديث خاص لـ”عنب بلدي”، حلل الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد الواقع الحالي، واصفاً إياه بـ”الإقبال الاضطراري” الذي يتميز بـ:

تركيز الشراء على احتياجات الأطفال الضرورية فقط، مع تجميد شراء أي شيء للكبار.

تحول كبير نحو الملابس الرخيصة أو منخفضة الجودة أو المستعملة (البالة).

طول دورة الاستبدال: الملابس لم تعد تُشترى موسمياً، بل قد تمتد لسنوات.

تركز حركة الشراء في فترات التخفيضات الحادة أو قبيل الأعياد، لكن بميزانيات لا تتجاوز 10-15% مما كانت عليه قبل عام 2011.

وقال محمد إن هذا الوصف يعكس فجوة كبيرة بين توقعات التجار (الذين ينتظرون أي انتعاش) وبين واقع عجز الطلب الفعلي، وهو مؤشر خطير على استمرار الركود الاستهلاكي.

لماذا هذا الركود؟ 5 أسباب رئيسية
بحسب الخبير الاقتصادي، تعود أسباب هذا الإقبال الضعيف إلى:

انهيار الدخل الحقيقي للأسرة السورية، فالحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى جزء بسيط من سلة الغذاء، فكيف بالملابس؟

تآكل المدخرات، فمعظم الأسر استنفدت ما ادخرته في أزمات سابقة.

أزمة ثقة في استقرار الأسعار، فالناس يفضلون شراء الغذاء والدواء أولاً، ويؤجلون الملابس خوفاً من ارتفاع لاحق في الأساسيات.

هجرة الطبقة الوسطى، فغادر سوريا جزء كبير من أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع.

التخوف من تدهور مستقبلي، مما يجعل الناس يمسكون بأي سيولة نقدية بدلاً من إنفاقها على كماليات.

انتقادات الأهالي: هل هوامش الربح هي المشكلة؟
لم يغب عن الأهالي انتقاد غلاء الألبسة الذي وصفوه بأنه يفوق القدرة المادية وحتى المعنوية. ويرى الخبير الاقتصادي أن هذا الانتقاد “دقيق اقتصادياً” ويعكس خللاً هيكلياً ثلاثي الأبعاد:

فك ارتباط الأسعار بالرواتب المحلية: فالملابس تعتمد على المستورد (بالدولار)، بينما الراتب يُدفع بالليرة السورية المنهارة.

هوامش ربح غير عادية: بسبب ضعف المنافسة وترككز الاستيراد بقلة من التجار، قد يتجاوز هامش الربح 200% من التكلفة الفعلية.

غياب البدائل المحلية: دمر القطاع النسيجي في حلب وأماكن أخرى، مما جعل السوق قطبيّاً: إما رخيص جداً ورديء، أو غالٍ جداً وجيد إلى متوسط.

ماذا يقترح الخبير؟ حلول عملية وليست تسعيرية جبرية
ختاماً، دعا الخبير الاقتصادي الحكومة إلى تدخلات هيكلية، بعيداً عن التسعير الجبري الذي أثبت فشله، ومن أبرزها:

دعم مباشر للأطفال وطلاب المدارس عبر كوبونات ملابس للأسر الأشد فقراً.

تحرير الاستيراد بإطار منافسة حقيقية لكسر احتكار كبار المستوردين.

تفعيل الرقابة على هوامش الربح في مرحلة الجملة، بوضع سقوف معقولة (مثلاً لا تتجاوز 35%).

إحياء الصناعة النسيجية المحلية الصغيرة من خلال توفير الطاقة والمواد الأولية بأسعار مخفضة وقروض ميسرة.

السيطرة على سوق الصرف لأن أي تقلب في سعر الدولار ينعكس فوراً على الملابس المستوردة.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى