شكاوى من إجراءات “تعجيزية” وسوء معاملة في “باب الهوى”

بعد الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد، تدفق آلاف السوريين عائدين من تركيا إلى بلادهم، يحملون معهم أثاثهم وحكاية سنوات من اللجوء والتهجير. لكن فرحة العودة اصطدمت بواقع مرير على معبر باب الهوى الحدودي، حيث تتعرض ممتلكاتهم للتكسير والتمزيق على يد عمال النقل والكشافة.
تعقيدات تبدأ فور الوصول إلى الجانب السوري
بمجرد دخول الشاحنات إلى الجانب السوري، تبدأ سلسلة من الإجراءات المعقدة. وفقاً لسائقي شاحنات تحدثوا إلى موقع عنب بلدي، فإن التفتيش يكون مبالغاً فيه، ويشمل نزع الأغلفة وتمزيق الكراتين، ثم نقل الأثاث من الشاحنات التركية الكبيرة إلى أخرى سورية أصغر حجماً بطريقة عشوائية، ما يؤدي إلى تلف الكثير من الأغراض.
تهديد بغرامات تصل إلى 30 ألف دولار
يشرح ماهر العمر، وهو سائق شاحنة يعمل في شركة شحن سورية تركية، أن التعقيدات لا تطال الأثاث فقط، بل تمتد إلى السائقين والشركات والعائلات أيضاً. يتم تحميلهم مسؤولية كاملة عن محتويات الشحنة، مع تهديدات بغرامات قد تصل إلى 30 ألف دولار، إضافة إلى التأخير في تسليم الأغراض. كما تفرض إدارة المنفذ ضرائب جمركية على كل ما يبدو جديداً، وأحياناً على كامل محتويات السيارة.
عائلات تنتظر ساعات طويلة دون خدمات أساسية
بحسب شهادات السائقين، تتعرض العائلات العائدة لتأخير متعمد قد يمتد إلى 24 ساعة، من دون وجود أي مرافق أو بنية تحتية تساعدهم على قضاء هذه المدة الطويلة.

قصة شحنة علقت ستة أيام بسبب اسم متوفٍ
مصطفى، وهو اسم وهمي لصاحب شركة شحن في اسطنبول، فضل عدم كشف هويته خوفاً من المشاكل. روى لعنب بلدي أن إحدى الشاحنات بقيت عالقة في المنفذ لأكثر من ستة أيام، والسبب أن الشحنة كانت مسجلة باسم شخص متوفٍ. كانت العائلة قد نزلت إلى سوريا طواعية بعد وفاته، وتكفل الجيران بإرسال الأثاث لاحقاً. عند وصول الشحنة، طلب أحد المسؤولين حضور الشخص المتوفى شخصياً، ورفض قبول أي تبرير، حتى بعد أن أوضحت الشركة أن زوجته لا تستطيع الحضور لأنها لا تزال في فترة العدة. وعندما تغير المسؤول، طلب البديل حضور قريب يحمل الكنية نفسها، لكنه ماطل في التسليم. وعاد الملف إلى المسؤول الأول الذي أصر مجدداً على حضور المتوفى.
لماذا ترسل العائلات أثاثها القديم؟
يقول ماهر العمر إن معظم العائلات التي ترسل أثاثها من تركيا لا تملك القدرة على شراء جديد في سوريا،所以她 تضطر لنقل ما لديها. أما الأسر الأكثر يسراً فتبيع أثاثها في تركيا وتشتري بديلاً في سوريا. أما الذين يشحنون عبر شاحنات كبيرة مشتركة، فهم غير القادرين على دفع تكلفة شاحنة خاصة، والتي تصل إلى 1200 دولار، بينما تتراوح تكلفة الشحن المشترك بين 400 و500 دولار حسب كمية الأثاث.
صعوبة جمع عدة عائلات لاستلام الأغراض
نظراً لارتفاع التكاليف، تشترك ثلاث أو أربع عائلات في شاحنة واحدة. وهنا تبرز مشكلة جديدة، وهي صعوبة جمع هذه العائلات في وقت واحد لاستلام أغراضها، خاصة أن بعضها يرسل الأثاث ثم يبقى فترة في تركيا لإنهاء إجراءات إغلاق عدادات الكهرباء والماء، أو يكلف أقاربه بإرسال العفش لاحقاً.
اتهامات بالرشوة وسوء المعاملة
لا تقتصر المعاناة على الإجراءات فقط. سائقون كثر اشتكوا من سوء معاملة موظفي المنفذ، واتهموهم بافتعال العراقيل بهدف دفعهم إلى الرشوة. وفقاً لمصطفى، تصل قيمة الرشوة أحياناً إلى 700 دولار لقاء التغاضي عن التفتيش الدقيق.
تكسير وتمزيق ورمي عشوائي للأثاث
وصف السائق ماهر العمر طريقة تعامل العمال والمفتشين مع الأثاث بالخشنة وغير الآمنة. قال: العمال الذين ينقلون الأثاث من السيارات التركية إلى السورية يرمونه دون أي مراعاة، ويضعون البضائع الزجاجية في الأسفل، ما يؤدي إلى تحطيمها. كما يقوم المفتشون بفتح الكراتين وتفريغ محتواها بالكامل، ولم يعودوا يسمحون للسائقين بإعادة تغليفها.
شاحنات التير ممنوعة من الدخول إلى الجانب السوري
لا يسمح للسائقين الأتراك بدخول الأراضي السورية بشاحناتهم الكبيرة. لذلك، تنقل البضائع والأثاث على الحدود إلى شاحنات سورية أصغر. لكن حديثاً، منعت إدارة المنفذ حتى الشاحنات الكبيرة من نوع “تر” من دخول ساحة المنفذ، واقتصر السماح على شاحنات صغيرة من نوع “أنتر”. هذا القرار حرم سائقاً مثل أحمد، الذي يعيل عائلتين، من دخول المنفذ، وزاد التكاليف على شركات الشحن، إذ تحتاج كل شاحنة كبيرة إلى خمس شاحنات صغيرة لنقل حمولتها، بكلفة تصل إلى 100 دولار لكل شاحنة إلى حلب.
مقاطع فيديو توثق الأضرار والعبث
سائقو شاحنات أرسلوا إلى عنب بلدي مقاطع مصورة تظهر أثاثاً مرمياً بطريقة عشوائية داخل السيارات، وكراتين ممزقة، وأغراضاً متروكة على الأرض بسبب التأخير في التسليم، ما عرضها للتكسير.
مطالب بجدية التعامل مع الشكاوى
أصحاب شركات شحن من اسطنبول وبورصة طالبوا في بيان رسمي إدارة منفذ باب الهوى بالتعامل الجاد مع هذه الشكاوى، لأنها تؤثر على كرامة المواطنين وثقتهم بالمؤسسات. وصفوا أسلوب بعض الموظفين بالشدة والتعجرف، وأشاروا إلى وجود ازدواجية واضحة في المعاملة، حيث تيسر أمور البعض بينما يعامل آخرون من عامة الناس وكأنهم متهمون.
أبرز شكاوى الشركات والسائقين
التأخير المتعمد في تفريغ الشحنات، مما يبقي السائقين أياماً طويلة في ظروف قاسية. إجبار السائقين وأصحاب الأثاث على الحضور الشخصي، رغم الظروف القاهرة. إخضاع العائدين لتحقيقات مفصلة وتعجيزية بأسلوب قاسٍ. تحويل بعضهم إلى غرف رقابة، ما يسبب ضغطاً نفسياً وإهانة. الفتح العشوائي للأغراض والتسبب بتكسيرها وانتهاك الخصوصيات. فرض رسوم جمركية غير منصفة على أثاث شخصي كان يفترض إعفاؤه. تعامل بعض الموظفين مع المنفذ كأنه مؤسسة خاصة تدار بالمزاج وليس خدمة عامة. تمركز التوظيف ضمن نطاق ضيق، رغم وجود كفاءات من مختلف المناطق.
مطالب الشركات لإنهاء المعاناة
ضبط سلوك الموظفين ومحاسبة المسيئين. إنهاء التأخير المتعمد والممارسات التعسفية. عدم إجبار أصحاب الأثاث على الحضور الشخصي، واعتماد بدائل تحفظ الكرامة. توحيد آلية التعامل مع جميع العائدين دون تمييز. مراعاة الظروف الإنسانية وتسهيل الإجراءات. حماية الممتلكات أثناء التفريغ ومنع العبث أو الضرر. اعتماد آلية شفافة وعادلة في الكشف والرسوم. توضيح آلية التوظيف وضمان تكافؤ الفرص وفتح المجال أمام الكفاءات من كل المناطق.
تعهد أصحاب البيان بتقديم صور وفيديوهات وثبوتيات، أو إرسال شاهد يرافق الشحنة مع إخفاء هويته، ليكون شاهد عيان على ما يحدث داخل المنفذ.
تسهيلات تركية ومشاهد عودة كبيرة
بعد سقوط النظام، عاد أعداد كبيرة من السوريين من دول اللجوء، خصوصاً من تركيا التي كانت أكبر دولة مضيفة للاجئين السوريين منذ بدء الثورة. بحسب إحصائية تركية صدرت في 5 مايو 2026، بلغ عدد العائدين طواعية منذ 8 ديسمبر 2024 حوالي 667,565 شخصاً. وانخفض عدد السوريين الخاضعين لنظام الحماية المؤقتة في تركيا إلى 2,280,542، بعدما كان يتجاوز الثلاثة ملايين قبل منتصف عام 2024.
في الأيام الأولى لسقوط النظام، أعلنت تركيا تسهيلات للعائدين، أبرزها السماح بنقل الأثاث إلى المعابر السورية دون فرض رسوم. لكن الجانب السوري، وتحديداً في منفذ باب الهوى المقابل لمعبر جلفاغوزو التركي في ولاية هطاي، يبدو أنه يشكل عقبة جديدة في طريق العودة.
عنب بلدي



