أزمة مواقف بدمشق.. فوضى ورسوم تثقل المواطنين

تشهد العاصمة السورية دمشق أزمة متفاقمة في مواقف السيارات، وسط ازدحام مروري خانق وارتفاع كبير في رسوم الاصطفاف، الأمر الذي بات يرهق السكان وأصحاب المحال التجارية ويؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية.
ويؤكد عدد من أصحاب المتاجر في مناطق مختلفة من المدينة أن العثور على موقف للسيارة أصبح مهمة شاقة تستغرق وقتًا طويلًا، في ظل الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات مقابل النقص الواضح في المواقف المنظمة والمرائب المخصصة.
ناصر قنوز زركزلي، وهو صاحب محل في شارع بغداد، أوضح أن أزمة المواقف أصبحت عبئًا يوميًا حقيقيًا، مشيرًا إلى أنه يضطر أحيانًا للبحث عن مكان لركن سيارته لمدة تصل إلى 45 دقيقة، ما يدفعه في كثير من الأحيان إلى الاصطفاف بشكل مزدوج وترك رقم هاتفه على الزجاج تحسبًا لأي طارئ.
وأضاف أن المشكلة تتفاقم في شارع بغداد نتيجة استخدام المواقف من قبل موظفين وتجار قادمين من مناطق تجارية قريبة مثل سوق الحميدية والحريقة، ما يزيد من الضغط على الشوارع المحيطة.
ارتفاع رسوم الاصطفاف
بدوره، قال أسامة الأيوبي، صاحب محل تجاري في منطقة الجسر الأبيض، إن تكلفة ركن السيارة أصبحت تشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على المواطنين، إذ يضطر لدفع ما بين 25 و30 ألف ليرة سورية يوميًا لقاء الاصطفاف، وهو ما يعادل نحو 900 ألف ليرة شهريًا.
وأشار إلى أن بعض المناطق لا تخضع لنظام المواقف الاستثمارية، ورغم ذلك تبقى الرسوم مرتفعة وغير مبررة، معتبرًا أن ما يجري يمثل استنزافًا ماليًا إضافيًا للمواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
كما أوضح ناصر أن تكلفة الساعة الواحدة في بعض المواقف تصل إلى ألفي ليرة سورية، وهي تكلفة مرتفعة بالنسبة لمن يضطر لركن سيارته لساعات طويلة أثناء العمل.
فوضى واستغلال في الشوارع
الأزمة لا تتوقف عند ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى حالة الفوضى التي تشهدها شوارع دمشق، حيث يلجأ كثير من السائقين إلى الاصطفاف المزدوج بسبب غياب الأماكن المتاحة، ما يعرّضهم للمخالفات المرورية وحجز سياراتهم بشكل متكرر.
ويقول “أبو محمد”، وهو صاحب محل في منطقة الحمراء، إن مجموعات من الأشخاص باتت تستغل الأرصفة والمساحات العامة تحت مسمى “الفاليه”، رغم عدم تبعيتها لأي جهة رسمية، حيث تفرض مبالغ تتراوح بين 10 و15 ألف ليرة لقاء ركن السيارات.
وأضاف أن هذه المجموعات تعمل أحيانًا بالتنسيق مع بعض المحال والمنشآت التجارية، مستفيدة من الفوضى وغياب الرقابة، إلى جانب استحواذها على مساحات واسعة من الشوارع العامة بشكل عشوائي.
ولا تقتصر الأزمة على المناطق التجارية فقط، إذ تعاني الأحياء السكنية أيضًا من نقص حاد في المواقف المنظمة، خاصة في مناطق مثل ركن الدين، ما يدفع السكان إلى استخدام سيارات الأجرة أو الخروج مبكرًا جدًا لتأمين موقف قبل اشتداد الازدحام.
أزمة تخطيط واقتصاد
من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحمن محمد أن أزمة المواقف في دمشق تعكس خللًا اقتصاديًا وتخطيطيًا واضحًا، لافتًا إلى غياب بيانات رسمية دقيقة حول أعداد المواقف النظامية والعشوائية في المدينة.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من عمليات الاصطفاف يدار ضمن الاقتصاد غير الرسمي عبر عمال مواقف غير مرخصين، ما يصعّب ضبط القطاع أو تنظيمه بشكل فعّال.
وأضاف أن موجات النزوح والتغيرات الديموغرافية التي شهدتها دمشق خلال السنوات الماضية ساهمت في زيادة الضغط على البنية التحتية، في وقت لا توجد فيه استثمارات حقيقية لإنشاء مواقف حديثة ومتعددة الطوابق.
وبيّن أن معظم المشاريع الحالية تعتمد على عقود استثمار بسيطة تمنحها المحافظة لأفراد أو شركات صغيرة دون تطوير فعلي للبنية التحتية، ما يجعل الأرباح سريعة على حساب جودة الخدمة.
المواقف الطابقية… حل مكلف
وفي محاولة لمعالجة الأزمة، أعلنت محافظة دمشق مطلع أيار الجاري عن طرح مشروع لإنشاء مواقف طابقية تحت الأرض في حديقة الأمويين المركزية، بطاقة استيعابية تصل إلى ألفي سيارة.
لكن عبد الرحمن محمد يرى أن هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى استثمارات ضخمة قد تصل إلى ملايين الدولارات، خاصة مع ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء وتكاليف الطاقة البديلة.
وأوضح أن العوائد المالية الحالية لا تشجع المستثمرين، إذ إن الرسوم المفروضة على الاصطفاف منخفضة مقارنة بحجم التكاليف، ما يجعل فترة استرداد رأس المال طويلة جدًا وقد تتجاوز عشرات السنوات.
وأكد أن الحل الحقيقي يكمن في اعتماد شراكات شفافة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير نظام تسعير ذكي يراعي أوقات الذروة وحجم الطلب على المواقف.
كما اقترح تطبيق اشتراكات شهرية مخفضة للموظفين، وتخفيض الرسوم مساءً وفي أيام العطل، إضافة إلى اعتماد تسعير تصاعدي يحد من احتكار المواقف لفترات طويلة.
عنب بلدي



