الاخبار

“قفزة” المشتقات النفطية في سوريا.. مقارنة مع دول الجوار والأسعار العالمية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تلاها من أزمة حادة في إمدادات الطاقة العالمية، كان لافتاً أن الشركة السورية للبترول اتبعت نهجاً مختلفاً عن معظم دول العالم. فبينما شهدت الأسعار قفزات متتالية في كل مكان، أبقت الشركة أسعار المحروقات المحلية مستقرة لفترة طويلة، لكنها عادت وأعلنت اليوم الخميس عن زيادة مفاجئة بنسب تراوحت بين 17 و29 في المئة.

سياسة التثبيت: دولار المحروقات ليس سعر المحروقات

خلال الأسابيع الأولى للأزمة، لم تغيّر الشركة السورية للبترول أسعار المحروقات المحلية بشكل مباشر، بل أبقتها مستقرة وفق السعر المقوم بالدولار. لكنها في المقابل، كانت تغيّر سعر صرف “دولار المحروقات” بشكل يتماشى مع التغيرات في سعر السوق. هذه الآلية سمحت للحكومة السورية بامتصاص جزء من الصدمة العالمية لفترة من الوقت، وتأجيل انعكاس المتغير النفطي على القدرة الشرائية المحدودة أصلاً للسوريين.

ارتفاع تكاليف المعيشة في رمضان زاد الضغط على المواطن

يأتي هذا التوقيت الموجع ليزيد من معاناة السوريين الذين كانوا قد تضرروا بشكل كبير جراء ارتفاع تكاليف المعيشة خلال شهر رمضان الماضي. فتحضيرات الشهر الفضيل وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية كانت قد استنزفت مدخرات الكثير من الأسر السورية، لتأتي صدمة المحروقات الجديدة لتزيد الطين بلة.

دول الجوار سبقت سوريا في رفع الأسعار بنسب متفاوتة

خلال شهري آذار ونيسان الماضيين، لم تكن سوريا وحدها التي واجهت موجة ارتفاع الأسعار، بل سبقتها دول الجوار بنسب متفاوتة. تصدرت لبنان القائمة، حيث تراوحت الزيادات بين 25 في المئة لمادة الغاز، ونحو 30 في المئة لمادة البنزين، وصولاً إلى نسبة غير مسبوقة بلغت 78 في المئة لمادة المازوت.

أما في مصر، فكانت الارتفاعات أكثر اعتدالاً نسبياً، حيث تراوحت بين 14 و17 في المئة لأصناف البنزين المختلفة، و17 في المئة للسولار، وصولاً إلى 30 في المئة لغاز تموين السيارات. في المقابل، كانت الأردن الأكثر ضبطاً للأسعار، إذ امتصّت الحكومة الأردنية جزءاً من الارتفاع العالمي، واتجهت نحو التدرج في عكس الأثر على المواطن، فتراوحت الزيادات بين 22.5 في المئة للسولار وبين 23.5 و26.5 في المئة للبنزين، فيما أبقت سعر أسطوانة الغاز المنزلي ثابتاً دون تغيير.

العالم يشتعل: أوروبا والصين وأمريكا تحت وطأة الأزمة

عالمياً، لم تكن الصورة أفضل حالاً. ارتفع سعر خام برنت بشكل متوسط بنسبة تراوحت بين 28 و30 في المئة خلال الفترة الممتدة من 28 شباط حتى 7 أيار الجاري. أما أسعار المشتقات النفطية، فارتفعت بنسب تراوحت بين 12 و30 في المئة في دول الاتحاد الأوروبي. وكان المستهلك الأمريكي من بين الأكثر تضرراً في العالم، حيث قفزت الأسعار بنسب تقترب من 50 في المئة.

في الطرف الآخر، كانت الصين الأكثر حظاً، حيث تدخلت الدولة بقوة لامتصاص أثر الارتفاع العالمي، مما جعل الزيادات تقتصر على نحو 11 في المئة فقط، وهو رقم معتدل مقارنة ببقية دول العالم.

اليوم الخميس: سوريا تختار صدمة الأسعار بدل التدرج

اليوم الخميس، قررت الشركة السورية للبترول كسر سياسة التثبيت التي اتبعتها منذ بداية الحرب، وعكست أثر الارتفاع العالمي على المواطن بنسب تراوحت بين 17 و29 في المئة لمختلف المشتقات النفطية المحلية. الأهم من ذلك، أن الشركة اختارت مبدأ “الصدمة” بدلاً من التدرج، في إشارة واضحة إلى أنها لم تعد تمتلك القدرة على امتصاص المزيد من الارتفاعات العالمية، وأن خزينها من المرونة المالية قد نفد تقريباً.

ما المتوقع؟ موجة تضخم جديدة تضرب الأسواق السورية

المراقبون للشأن الاقتصادي السوري يتوقعون أن هذه القفزة في أسعار المحروقات لن تكون النهاية، بل بداية لموجة تضخم جديدة ستطال أسعار الخدمات والسلع الأساسية في السوق السورية. فكل زيادة في سعر المازوت والبنزين والغاز تعني ارتفاعاً مباشراً في تكاليف النقل، وتكاليف التصنيع، وتكاليف التدفئة والطهي، وهو ما سينعكس حتماً على جيب المواطن بشكل مضاعف.

سوريا بين المطرقة العالمية والسندان المحلي

تبدو سوريا اليوم وكأنها واقعة بين مطرقة الارتفاعات العالمية لأسعار النفط وسندان القدرة الشرائية المحدودة لمواطنيها. فبعد أن صمدت الشركة السورية للبترول لأشهر في وجه العاصفة، جاءت لحظة الحقيقة التي اضطرت فيها إلى تمرير الصدمة إلى المواطن. والأيام القادمة ستكشف حجم الموجة التضخمية التي ستلي هذه القفزة، ومدى قدرة الأسر السورية على تحمل أعباء معيشية جديدة في ظل اقتصاد منهك وحصار مستمر. السؤال الأهم الآن: هل ستنتهي الموجة عند هذه النسب، أم أن الرياح النفطية العالمية تحمل المزيد من الارتفاعات في طريقها إلى سوريا؟

زمان الوصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى