لماذا لا تنخفض الأسعار رغم تحسن الليرة؟

يشهد السوق السوري موجة جديدة من ارتفاع الأسعار طالت معظم السلع الأساسية، من المواد الغذائية والخضروات إلى المنظفات والمنتجات اليومية، وسط تراجع واضح في القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء استمرار التضخم رغم تحسن سعر الصرف أحياناً.
ويرى أستاذ إدارة الأعمال في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، الدكتور خليل حمدان، أن السوق المحلية باتت تتفاعل سريعاً مع أي ارتفاع في سعر الصرف، بينما تتجاهل انخفاضه، موضحاً أن المواطن لم يعد بحاجة لمتابعة نشرات العملات لمعرفة تغير الأسعار، لأن انعكاس ارتفاع الدولار يظهر مباشرة في الأسواق، بعكس التحسن الذي نادراً ما ينعكس على الأسعار.
وأوضح حمدان أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتقلبات سعر الصرف، بل أصبحت تعكس خللاً هيكلياً في آلية التسعير داخل السوق السورية، حيث تنتقل الزيادات إلى المستهلك بشكل فوري، في حين تتأخر الانخفاضات أو لا تحدث أساساً.
وأضاف أن حالة “العناد السعري” أصبحت واضحة، إذ يكفي حدوث توتر سياسي أو تغير بسيط في سعر الصرف حتى ترتفع الأسعار، بينما لا يؤدي الاستقرار أو التحسن إلى أي انخفاض مماثل، معتبراً أن جزءاً من هذا السلوك يعود إلى حالة عدم اليقين التي تدفع التجار لاعتماد تسعير احتياطي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا النهج إلى سياسة دائمة.
وأشار إلى أن ضعف المنافسة ووجود احتكار في بعض القطاعات يمنح بعض الجهات القدرة على تثبيت الأسعار عند مستويات مرتفعة بغض النظر عن التكاليف الحقيقية، ما يجعل السوق يفرض أسعاره بدلاً من أن يعكس الواقع الاقتصادي الفعلي.
ولفت حمدان إلى أن مصطلح “التضخم المستورد” أصبح من أكثر المبررات استخداماً لتفسير ارتفاع الأسعار، خاصة مع التوترات العالمية في الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب معايير واضحة تحدد متى يكون هذا التضخم حقيقياً، ومتى يتحول إلى ذريعة لرفع الأسعار وتحقيق أرباح إضافية على حساب المستهلك.
وعلى صعيد السياسات النقدية، أوضح أن هناك خطوات مهمة جرى تنفيذها، مثل مشروع استبدال العملة الذي شمل أكثر من نصف الكتلة النقدية، إضافة إلى التوجه لإنشاء بورصة إلكترونية للصرف في دمشق، إلا أن هذه الإجراءات لم تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين حتى الآن.
وبيّن أن السبب يعود إلى وجود عوائق تمنع انتقال أثر التحسن النقدي إلى الأسواق، من بينها احتكار بعض حلقات التوريد وضعف الرقابة وغياب التسعير القائم على التكلفة الفعلية.
وأكد حمدان أن المرحلة الحالية تتطلب رقابة أكثر فاعلية تربط بين الأسعار والتكاليف الحقيقية، إلى جانب تعزيز المنافسة وكسر الاحتكار في السلع الأساسية، مع ضرورة نشر بيانات واضحة حول تكاليف الاستيراد والشحن، بما يساعد على ضبط السوق وتحقيق قدر أكبر من الشفافية.
وختم بالقول إن المشكلة الأساسية في سوريا لم تعد مجرد ارتفاع الأسعار، بل استمرارها عند مستويات مرتفعة مهما تغيرت الظروف الاقتصادية، معتبراً أن نجاح السياسات الاقتصادية يُقاس بقدرتها على تحسين حياة الناس فعلياً، وليس فقط بتحسين المؤشرات والأرقام الرسمية.
الوطن



